Posted by: Ismail Alexandrani | فبراير 25, 2013

فيلم المصلحة .. بين تبييض وجه الداخلية والتشويه المنهجي لأبناء سيناء

Image

بوستر فيلم المصلحة – عرض في 2012

 
مقالي المنشور على موقع قناة سيناء الآن بتاريخ 20 فبراير 2013
 

“المصلحة” .. بين تبييض وجه الداخلية والتشويه المنهجي لأبناء سيناء

إسماعيل الإسكندراني

منذ ما يقرب من عام بدأ عرض فيلم “المصلحة” في دور السينما، وانطلقت معه حملات غضب واستياء شعبي بين أبناء سيناء وصلت لدرجة التوعد لبعض رموز العمل. حاولت جاهداً ألا أتأثر بغضب الأصدقاء من النشطاء السيناويين من الفيلم  الذي اعتبروه مسيئاً لصورة أبناء سيناء، بل اعتداءً على شرف بنات سيناء، ودشنوا في سبيل الاعتراض عليه بعض الحملات الإلكترونية. كما عقد “ائتلاف أبناء سيناء الأحرار” مؤتمراً في نويبع يوم 30 مايو 2012، بحضور عدد من قبائل سيناء، مصدرين بياناً يتهم الفيلم بالفن الرخيص الدعائي لصالح الداخلية ضمن الحرب النفسية ضد بدو سيناء، مستاءين من تشويه اللهجة وعادات أبناء البادية وأعرافهم، ومطالبين صناع الفيلم بالاعتذار لأبناء سيناء، ومطالبين بمحاسبة النظام السابق على جرائمه في حق أبناء سيناء كما وثقت ذلك المنظمات الحقوقية المحلية والعالمية – بحسب البيان. وقد أكدوا على أحقيتهم في تملك أراضيهم، وحقهم في التمثيل في اللجنة التأسيسية للدستور.

 

قلت إن من الإنصاف ألا أتعجل في أي فعل تضامني “على عماي”، وإن عليّ أن أشاهد الفيلم أولاً دون أية تحيزات مسبقة، خاصة أني أجريت اتصالاً بصديق صحفي سيناوي كان له رأي أقل حدة من منظمي المؤتمر ومدشني الحملات الإلكترونية الغاضبة المناهضة للفيلم. وبالفعل، ذهبت إلى السينما وأخرجت هاتفي لأبدأ في التغريد على موقع تويتر (داخل اشوف فيلم المصلحة عشان ما أستعجلش في التضامن مع أبناء#سيناء‏ بعاطفة دون عقل ونقد)، وكلي ذهن مفتوح لتلقي مزايا الفيلم قبل أخطائه. وبعد فاصل من الإعلانات السخيفة كتبت في تمام الساعة 10:02 (أخيرا فيلم المصلحة هيبتدي بحاول أكون موضوعي وغير متأثر سلبيا ضد الدراما التي تتناول سيناء). ومع أول مشهد لم أتمالك نفسي، فلم تمر سوى دقيقتين حتى بدأت في تمام الساعة 10:04 في التغريدات الغاضبة بألفاظ مقبولة عرفاً، ثم بدأت الألفاظ الاعتراضية تكثر، والشتائم المصرية تنهال، ووجدتني أتفهم تماماً سبب الغضب السيناوي من هذا الفيلم.

 

الحقيقة في رواية داخلية مبارك

المشكلة الرئيسية للفيلم ليست ركاكته الدرامية في كثير من أجزائه، بل المصيبة أنه يبدأ بعبارة ترويجية كاذبة بأن أحداثه مستوحاة من قصة حقيقية تمت في 2010، وهنا حد فاصل بين حرية الإبداع – حتى لو تضمن صوراً نمطية سلبية مستقاة من ثقافة المؤلف أو المخرجة – وبين الكذب والتدليس والتزوير. الفيلم ببساطة ما هو إلا علاقات عامة لداخلية مبارك، الذي تُعلّق صوره طيلة الفيلم، وتبييض لوجهٍ عرفه الشعب المصري قبيحاً ظالماً قمعياً. فبعد فيلم “الجزيرة” الذي فضح تواطؤ القيادات الكبيرة في الداخلية مع تجار السلاح والمخدرات بالصعيد، يأتي “المصلحة” وقد بدّل أحمد السقا دوره، ليكون هو ضابط الأمن المركزي ذا الكفاءة والأخلاق القتالية، الذي يقدم الغالي والنفيس من أجل الخدمة الوطنية الملتزمة بالقانون ومعايير حقوق الإنسان.

 

فبعد مشهد مؤثر لصلاة الظهر في جماعة قبل ركوب المروحية التي ستقلّ فرقة من الأمن المركزي إلى جنوب سيناء في مهمة قتالية في أرض مزروعة بمخدر البانجو، يمتنع الضابط “حمزة” – أحمد السقا – عن إطلاق النار على طفل يحمل كلاشينكوف، متسبباً – بأخلاقه القتالية – في إصابة زميل له بطلق ناري من “البدو المجرمين”.

 

يعود الضابط حمزة من مهمته إلى حفل زفاف أخيه، الضابط الأصغر رتبة، حيث أخفت زوجته المحجبة “حنان” – حنان ترك – عن أمه أنه في مأمورية. وتمر الأيام الأولى من زفاف أخيه ليعود إلى الخدمة في نقطة تفتيش على طريق شرم الشيخ – نويبع، حيث يصدمه الشقيق المدلل لتاجر المخدرات البدوي، حينما تفاجأ بالكمين هو ورفيقته البدوية المتحررة (الزانية)، أثناء محاولتهما الهروب بما معهما من مخدرات. وفي مشهد جيد فنياً، يكون سباب زملاء الضابط “الشهيد” لأخي تاجر المخدرات بأمه “الوسخة” مبرراً أثناء القبض عليه.

 

يطلب حمزة من قيادته الانتقال من الأمن المركزي إلى جهاز مكافحة المخدرات للثأر لأخيه، وينقل الفيلم التحول الدرامي لأسرة الضابطيْن من البهجة والحيوية إلى الكآبة والعبوس، في إبراز للتضحيات العظيمة لأسر ضباط الشرطة، المنتمين للطبقة الوسطى، المتدينين، ذوي الأخلاق الكريمة والروح الفكاهية، والذين أفسد حياتهم إجرام بدو سيناء عديمي القلب والضمير!

 

سيناء السينما .. وسيناء الواقع

بالتوازي مع الصورة الملائكية المثالية لضباط الشرطة، التي يبرر في سياقها بعض التجاوزات “البسيطة”، لا يظهر في الفيلم أي سيناوي – أو بالتحديد أي بدوي – في موقف إيجابي مطلقاً. حتى الشيخ العجوز الذي اضطر سالم – تاجر المخدرات السيناوي – لدعوته إلى زفافه، والذي قام بتوبيخه لإساءته لصورة البدو، يظهره الفيلم في أقل من 30 ثانية رجلاً عجوزاً عاجزاً لا يستطيع الحل ولا العقد. في حين أن المتورطين مع سالم، في الاتجار والتوزيع والزراعة والتأمين هم أغلب بدو سيناء.

 

سالم – تاجر المخدرات الإقليمي – إمبراطور يعيش في قصر منيف، يربي فيه أسوداً وأشبالاً حقيقيين، وهو مهووس بتفاصيل صغيرة تعبر عن جنونه، ونقطة ضعفه الوحيدة هي شقيقه المدلل الذي يريد ألا يعيش في جلباب أخيه، ويقضي وقته مع زانية نصفها بدوي ونصفها قاهري. وهو لا يقتصر على استخدام المفردات الدينية كمظهر فارغ من أي مضمون (المصحف كديكور، المسبحة،..) في مقابل التدين الحقيقي لأسرة الضابطين وحجاب حنان، بل يعتبر قتلى المخدرات شهداء، في غياب تام للمعيارية وتشكيك كبير في منظومة القيم لدى أبناء سيناء.

 

 الفيلم يصنع ثنائية بين القاهرة وسيناء، وبين شرطة مبارك الطاهرة وبدو سيناء المجرمين، لتكون الكفة راجحة لصالح ضباط القاهرة في مقابل بدو سيناء. وهو نتاج خيال صناع أفلام كلهم قاهريون، حيث أستبعد أن أحداً من صناع الفيلم يعرف عن سيناء أكثر من مدنها السياحية الثلاث التي لا تعكس سيناء الحقيقية إلا كما تعكس فنادق الزمالك حقيقة القاهرة. لن أتحدث عن شمال سيناء ولا عن وسطها، فحتى نويبع التي يتعلق بها معظم أحداث الفيلم تختلف فيها منظقة المخيمات  السياحية (الكامبات) بالكلية عن القرى البدوية الخالصة، والتي تختلف بدورها عن المدينة التي يختلط فيها البدو بالوافدين من أبناء وادي النيل.

 

هذا عن الجغرافياً، أما عن طبيعة الناس الذين يساعدون الزائرين في تكوين الصورة الذهنية عن المكان، فمعلوم لأي سيناوي – أو باحث ميداني– أن أغلب المحترمين من أبناء سيناء ينأون بأنفسهم عن “قلة القيمة” المرتبطة بالسياحة، خاصة في شرم الشيخ. ولا يبقى من المتلهفين على أموال السياح إلا أكثر أبناء سيناء استعداداً للتفريط في القيم والثوابت السيناوية. فعلى سبيل المثال، تجد في نويبع معسكراً باسم “كامب ديفيد” مرسوماً عليه صورة حمامة وغصن زيتون، يجاوره معسكر مملوك لأحد أبناء الشمال من المنطقة الحدودية يعرض خريطة سيناء ويجاورها “إسرائيل”، بكل براجماتية، دون حتى أي اعتبار لقطاع غزة (وهي خريطة يستحق عليها القتل لو فكر في تعليقها في الشيخ زويد مثلاً).

 

في هذه الأوساط الأكثر تحرراً من معايير الحلال والحرام، ومن أعراف البيئة البدوية، ومن الثوابت الوطنية والقومية، يتعرف أبناء الوسط السينمائي في زياراتهم الشخصية والمهنية على مروجي المخدرات من البدو والوافدين، وربما يصنعون معهم صداقات وعلاقات إنسانية تقوم بالأساس على المصلحة والمتعة والمادة. حتى مستضيفو السياح في رحلات السفاري لا يمكن أن يدور معهم حوار حقيقي عن البيئة السيناوية وعن المجتمع السيناوي، وهو ما يختلف بالكلية عن زيارات البحث الميداني أو الصحافة الاستقصائية التي يذهب فيها “الضيف” صباحاً في كامل وعيه، ملتزماً بآداب الزيارة، ومحترماً العادات والتقاليد، بانياً علاقات إنسانية حقيقية مع أبناء المجتمع المحلي، علاقة لا تقوم على المصلحة ولا المادة ولا المتعة الجسدية. فمن الطبيعي أن تختلف الصورة الذهنية جذرياً لدى هؤلاء عما نكوّنه – نحن الباحثين والصحفيين الاستقصائيين – حتى لو زرنا الأماكن ذاتها.

 

 

 حقيقة جهاز مكافحة المخدرات في سيناء

ما لا يعرفه صناع الفيلم أن الرأس الأسبق لجهاز مكافحة المخدرات بوزارة الداخلية، اللواء علي راغب، قد ثبت تواطؤه مع الموساد الإسرائيلي واستهدافه بقضايا مخدرات ملفقة لأبطال الحرب من البدو المكرمين رسمياً من القوات المسلحة. وما يتجاهله الفيلم أن قوات الداخلية لم تتوغل شبراً واحداً في الجبل أو في الوديان في عمليات قتالية إلا بمعاونة البدو، وأن صورة ضباط الداخلية قد اهتزت كثيراً لدى البدو حينما وجدوا شبابهم يجيدون استخدام الأسلحة أكثر من الضباط المدربين في القوات الخاصة. وكما قال لي أحد البدو ذات مرة: “هذا الضابط الذي كان يرتجف شباب البدو منه حينما سمعوه يهاتف والدته في بطن الجبل “ادعي لي يا ماما احنا في وضع صعب” سقط من نظر البدو تماماً وتجرأوا على الداخلية بعدها”، كان هذا تعليقاً على عمليات القوات الخاصة بعد تفجيرات طابا ونويبع 2004 ثم تفجيرات شرم الشيخ 2005، والتي استعانت فيها الداخلية ببعض المتورطين في تجارة المخدرات وزراعتها من البدو لاستهداف سكان الشمال من داعمي المقاومة الفلسطينية واختلاق وهم كبير اسمه “جبل الحلال”. بالفعل تعاونت الداخلية مع تجار المخدرات ضد داعمي المقاومة الذين اتهموا بالإرهاب، وذلك في صفقة يتم التغاضي بموجبها عن مساحات شاسعة من الزراعات المخدرة، فضلاً عن حصص الضباط في العائد من تجارة الموت.

 

في حين أن الفيلم يصوّر الضابط حمزة، البطل الأسطوري، يتوغل في قرى البدو وحده في الوديان والجبال، ويقتحم بيت أحد البدو ويطلق النار وسط بيوت البدو تهديداً، ويتعرض للفتاة البدوية وسط شوارع قريتها، وغير ذلك الكثير من الأوهام الكاذبة. وأكثر من ذلك، صلاحيات واسعة تجاوزت صلاحيات حرس الحدود ومخابراتها، وتغفل تماماً حقيقة الإدارة العسكرية لأراضي سيناء ومياهها.

 

ماذا بعد الشيطنة سوى نزع التعاطف؟

لا يمكنك أن ترى بدو سيناء في الفيلم إلا مجرمين، قساة القلوب، يلقون بالمتعاون مع الداخلية الطاهرة الشريفة إلى الأسد ليأكله حياً في قصر سالم. ولا يمكنك أن ترى غير الأبالسة في تلك العصابة التي حرمت أسرة متدينة من الطبقة الوسطى من آخر عنقودها، العريس الذي عاد لتوّه من شهر العسل، الشهيد الذي راح ضحية الواجب الوطني. وينتهي بك الفيلم إلى فقدان أدنى درجة من التعاطف مع عصابة بدو سيناء التي تجسد فيها الشر المطلق، دون أدنى اعتبار للظروف القاسية التي يعيشونها والتي مهدت لوجود نشاط المخدرات. الفيلم لم يصور من سيناء سوى المناظر، دون اعتبار للإنسان الذي يعاني من أجل شربة ماء آدمية، أو تعليم بناته، أو عمل شريف له ولأبنائه. حتى الثقافة والتراث واللهجة يخاصمهم الفيلم تماماً، ولا يهتم إلا بشرطة مبارك وتفانيها وبطولتها، التي لم تفسد أو تظلم البدو مثقال ذرة.

 

الخلاصة أن المشاهد الذي لم يزر سيناء لا يمكن أن يخرج بأدنى تصور إيجابي عن أهل سيناء، ولا أدنى احتمال لعمل بدو سيناء في غير الأنشطة الممنوعة. فهل يستحق أي بدوي تعاطفاً لو سحقت الشرطة رأسه أو قتلته أمام أعين أمه أو أبنائه؟

السيناريست وائل عبد الله يأبى أن ينهي الفيلم إلا بمشهد خيالي عبثي، وهو إحالة الضابط حمزة إلى القضاء بتهمة قتل شقيق تاجر المخدرات أثناء القبض عليه. وكأنه يريدنا أن نصدق أنه طالما كان أعزل لحظة القبض عليه، فإن ضمير داخلية العادلي اليقظ يرفض التلفيق، وأن زملاء الضابط حمزة لم يكذبوا في المحضر، وأنه أحيل للمحاكمة في عملية ضبط وتلبس بطولية خارقة يحسده عليها الرجل الوطواط في عز أيامه.

 

لا ينتهي العبث بمشهد الثأر الذي يفضي للعدالة في ظل حكم مبارك، بل تبدع ساندرا نشأت في وضع الضابط (رمز الخير) في قفص الاتهام ذاته مع تاجر المخدرات (رمز الشر)، وتصوير أحد البدو المجرمين وهو يناول تاجر المخدرات آلة حادة مميتة من بين حديد القفص. وتتركنا لنهاية مفتوحة نتخيل فيها الصراع داخل القفص بين الشر البدوي الأصيل وبين مقاومة بطل الداخلية الشريف.

 

الزميلة إيمان عبد المنعم علقت على إحدى تغريداتي الغاضبة أثناء مشاهدة الفيلم بأنها حينما شاهدته بكت على الشهداء. صحيح .. إذا كانت هذه هي داخلية مبارك والعادلي، فلا بد أن الشهداء كانوا بلطجية يستحقون الحرق!

أما أهل سيناء فلهم أن يحمدوا الله على التقدم الكبير في رسم صورتهم في السينما، من جواسيس لإسرائيل في فيلم إعدام ميت عام 1985، إلى مصدر لتجارة المخدرات في مصر عام 2011.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: