Posted by: Ismail Alexandrani | ديسمبر 17, 2013

مقال الثلاثاء || ماذا وراء جسر السلام؟

الصورة من ويكيبيديا العربية

الصورة من ويكيبيديا العربية

مقال الثلاثاء الأسبوعي (17 ديسمبر 2013) على موقع مصر العربية

على الرابط: http://goo.gl/adGL8O

يقال إن رجلاً من قبيلة السواركة ارتحل إلى وادي النيل، قبل بناء “كوبري السلام” بأكثر من قرن، وحين أراد العودة إلى شمال سيناء بأهله وحمولته وجد قناة السويس قد جرى فيها الماء فعاد أدراجه إلى الخانكة واستقر فيها مؤسساً لفرع من القبيلة بالقرب من العاصمة.

 .

هو ليس مجرد جسر يصل بين ضفتي قناة حفرها الأجداد بالسخرة وماتوا بين رمال مجراها قبل أن تمتزج مياه البحرين الأحمر والمتوسط، وليس مشروعاً عملاقاً مما تجدر مشاهدته على قناة “ناشيونال جيوجرافيك”. هو الجسر الذي يصعده المغادورن إحدى ضفتي القناة إلى الضفة المقابلة، حيث تستعيد فوقه كل الشجون والذكريات والصور التسجيلية والدرامية المختزنة عن عبور القناة ورفع العلم واختراق خط بارليف. ومن الناحية الثانية، يسترجع أبناء سيناء وقت أن كان الانتقال من إحدى الناحيتين إلى الناحية الأخرى قد يعني عدم الرجوع مرة ثانية. كما يتذكرون الفترة بين الحرب في 1973 والتحرير في 1982 حين كان العبور إلى سيناء يستلزم إذناً من المخابرات، قبل أن يبنى جسر السلام بسنوات عديدة.

 .

في منتصف المسافة تقريباً بين مدينتي الإسماعيلية وبورسعيد، وفي النطاق الإداري لمدينة “القنطرة – غرب”، تجد لافتة مكتوب عليها “العراق – فلسطين – سيناء”. لافتة تعطيك إذناً بالانتقال بين قارتين بمجرد عبورك للجسر الواصل بين وادي النيل وشبه جزيرة سيناء.

 .

لا ينبغي أن تصب لعناتك على اللافتة التي تعطيك أملاً زائفاً في السفر السلس بين دول عربية شقيقة، فهي على الأقل قد صدقتك القول حين ألمحت إليك بأن مصر التي تعرفها، أو تظن أنك تعرفها، تنتهي عند قمة الجسر الذي توشك أن تصعده. في تلك النقطة التي تستدبر فيها خضرة الإسماعيلية الزاهية وأشجارها الباسقة لتستقبل بكارة رمال سيناء الصفراء المخضبة بدماء آبائك وأجدادك.

 .

ليس الأمر كما قد يتبادر إلى أذهان كثيرين بانتهاء الحضارة المدنية والانتقال إلى حياة البداوة، فسيارات الأجرة في شمال سيناء من نوع “المرسيدس”، وريف بئر العبد لا يختلف كثيراً عن ريف طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي، الذي استفاد من خبرة المهاجرين إليه من أهل سيناء وإتقانهم في إدارة الموارد المائية المحدودة. حين تصل إلى مدينة العريش بعد 200 كيلومتر على الطريق الدولي المؤدي إلى رفح تسيرها وسط الكثبان القابع وراءها بيوت الشعر البدوية وحياة أناس لم يسبق لك أن تختبرها، تبدأ وقتها فقط في اكتشاف التنوع السيناوي الهائل بين البدو، والعرايشية، والوافدين من وادي النيل، واللاجئين الفلسطينيين المقيمين منذ عقود طويلة.

 .

يوم واحد تقضيه بين مطاعم العريش ومقاهيها وشواطئها ودواوين عائلاتها أو المقاعد العرفية فيها كفيل بأن يكشف لك حجم الفجوة بين أهل سيناء وأهل وادي النيل، وكأنهما شعبان لا شعب واحد. هزة عنيفة ستتلقاها صورك النمطية المسبقة وتعميماتك عن أهل سيناء حين تبدأ في التعرف على التنوع العمري والفكري والثقافي والجغرافي في شبه الجزيرة المثيرة للجدل والشجون.

 .

يتداول البعض أغنية هابطة فنياً بعنوان “احنا شعب وهم شعب” يغنيها فنان – سابقاً – أُعجب المصريون بما غناه قديماً “كلنا من أم واحدة وأب واحد .. دم واحد بس حاسين باغتراب”. الحقيقة المؤسفة أن الانقسام الطولي الذي تزعمه أغنية “الشعبين” متحقق بنسبة كبيرة ولكن بشكل أفقي وجغرافي. كان جسر السلام يسهم في لحم الفرع السيناوي بالجذع المصري قبل أن يُتخذ قرار أمني غريب الشكل والمضمون بإغلاقه إلى أجل غير مسمى منذ 30 يونيو الفائت. رغم ابتعاد الجسر عن مسرح الأحداث أكثر من 200 كيلومتر، إلا أن الوعد بالعبور إلى المستقبل قد أُخلف، وعدنا للوراء عشرين سنة حيث الانتقال بين ضفتي القناة بالعبّارات، لحين إشعار آخر.

.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: