Posted by: Ismail Alexandrani | يناير 14, 2014

أخطر أنواع التطبيع في سيناء

depression1

مقال الثلاثاء 14 يناير 2014 المنشور على موقع مصر العربية على الرابط

http://goo.gl/YnIhHU

التطبيع هو أن يصير غير المألوف طبيعياً، وأن ينضم الاستثناء للقواعد. فمن غير المألوف أن يكون بين العرب والصهاينة، مغتصبي الأرض، ومنتهكي العِرض، سلام وتبادل تجاري وتمثيل دبلوماسي. لذلك، طمحت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 إلى تطبيع العلاقات الثنائية تمهيداً للتوسع في التجربة مع الدول العربية المحيطة، من الخليج إلى المحيط.

.

التطبيع عملية. ولكل عملية مدخلات، ومعالجة تنتج مخرجات مختلفة. مدخلات التطبيع هي القرارات المعبرة عن تبدل الموقف من ذلك الأمر غير المألوف، والرغبة في جعله طبيعياً. تتم المعالجة عن طريق سياسات ومشروعات تكفل ممارستها إيجاد علاقة مع غير المألوف، حتى لو لم تنجح تماماً. أما المخرجات، فهي ليست نجاح المشروع، بل إيجاد العلاقة التي تتحول مع طول الممارسة إلى أمر اعتيادي، حتى لو كانت علاقة متوترة، فيصبح الاشتباك مع غير المألوف – سابقاً – طبيعياً.

.

قررت السلطة العسكرية/الأمنية الحاكمة في مصر منذ انقلاب 3 يوليو استخدام القمع الجماعي شبه العشوائي، غير مكترثة بالضحايا والآثار الجانبية، مهما بلغت فداحتها. السياسة القمعية تم انتهاجها ضمن مشروع لفرض ما أسموه “خريطة المستقبل”. يتعثر المشروع، وقد يفشل استراتيجياً، لكن المعالجة القمعية جعلت من أخبار الضحايا وآثار عنف السلطة وقواتها النظامية أموراً اعتيادية لدى الجميع، وطبيعية لدى البعض. لقد تم تطبيع القمع الجماعي شبه العشوائي.

.

لم يعد الناس في مصر يصدمون بأخبار القتل في المظاهرات، أو الاعتقال العشوائي من الشارع أو المقاهي، أو تلفيق التهم، أو الاعتداء على المطلوبين أو ذويهم. هبط سقف التطلعات إلى الرجاء بأن يكون ضحايا اليوم أقل من البارحة. بل إن الأماني انحسرت حتى أضحت مثل رزق عمال اليومية، فاللهم أنهِ هذا اليوم على خير، ولكل يوم دعوة، أي الدعوة ذاتها.

.

تشهد سيناء تطبيعاً مع الحرب. كانت الحرب دوماً استثناءً يشذ عن القاعدة. هزيمة 1967 لم تستغرق سوى 6 أيام، بدأت بعدها قوات الاحتلال في إدارة شبه الجزيرة عسكرياً دون عمليات أو اشتباكات منتظمة. أما في مطلع 2014، فإن العمليات العسكرية الموسعة دخلت في شهرها الخامس على التوالي دون تحقيق أهدافها المعلنة في بدايتها. تعطل تحقيق الهدف لا ينفي حدوث التطبيع، صارت حالة الحرب طبيعية في شمال سيناء بحلول العام الجاري.

.

كان الخطر المرتقب من الجماعات المسلحة ضد سكان سيناء من المدنيين عارضاً أو محدوداً. وكان الأصل لدى سكان سيناء أن الجيش يحميهم ويصونهم، بخلاف الشرطة التي استباحتهم قبل الثورة. أمسى التهديد والاستهداف من قبل المجموعات المسلحة خطراً دائماً محدقاً، وتورط الجيش في جرائم لم يجرؤ جهاز “أمن الدولة” في ذروة جبروته على الإقدام عليها أو التفكير فيها. تم التطبيع مع التوجس من الجماعات المسلحة والسخط والنقمة على الجيش الثاني الميداني.

.

فيما سبق إشارات مقتضبة لبعض عمليات التطبيع الخطيرة التي تمت في الفترة الأخيرة، لكني لم أتحدث بعد عن أخطر أنواع التطبيع.

.

أخطر أنواع التطبيع، على الإطلاق، هو التطبيع مع السكوت. أن يصمت المقهورون عن الصراخ بشكواهم، أن ييأس المستجير فيختفي صوته، ألا يكترث المقموعون للتمادي في التجبر والتسلط، ذلك أخطر أنواع التطبيع. وعلى الناحية المقابلة، صار طبيعياً لدى الحقوقيين والإعلاميين أن يتلقفوا أخبار سيناء المتقطعة من حين لآخر دون اهتمام. قد يكون الظرف الأمني عائقاً، وقد تفرض الأجندة الإعلامية المركزية أولوياتها، لكن الخطير أن يستسلم الصحفيون والنشطاء خارج سيناء لعجزهم عن نصرة سكانها. الكارثة أن يتم تطبيع العجز.

.

التطبيع مع الصمت داخل سيناء، والتطبيع مع العجز خارجها، هما المصيبة الكبرى التي يجب على القانتين أن يبتهلوا إلى الله بأن يقينا منها. لو لم يكن لأهل شمال سيناء سوى الصراخ مساء كل يوم عقب عودة شبكات الاتصالات إلى التشغيل، ولو لم يكن لأهل وادي النيل سوى أن تستمع قلوبهم لأنين أشقائهم شرقي قناة السويس، فلنقاوم التطبيع سوياً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: