Posted by: Ismail Alexandrani | أغسطس 5, 2014

سيناء: نكسة عبد الناصر أم نكسات الحسن والحسين؟

حسين سالم (يمين) وحسن راتب (يسار)

حسين سالم (يمين) وحسن راتب (يسار)

نص المقال المنشور بعنوان “سيناء: نكسات بيزنيس الجنرالات” في جريدة السفير العربي بتاريخ 11 يونيو 2014، وقد تم تغيير العنوان لمراعاة الحساسيات المذهبية المعروفة في لبنان

المقال في السفير العربي موجود على الرابط:

 http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1924&refsite=arabi&reftype=articles&refzone=articles

لم تكن حرب الأيام الستة حدثاً هيناً، ولم يكن النصف الثاني من سنة 1967 كالشهور والسنين السابقة الغارقة في الأحلام الناصرية العروبية التي وعدت الجماهير بإلقاء دولة الاحتلال في البحر وتحرير ما اغتصبه الصهاينة في 1948 وما بعدها. بعد مرور عدة عقود، يطرح السؤال نفسه: هل كان احتلال سيناء والجولان “نكسةً” كما كابر جمال عبد الناصر أن يعترف بالهزيمة؟ أم أن النكسات هي ما توالت لاحقاً حين تزاوج الجنرالات برجال الأعمال تحت عباءة اتفاقية كامب ديفيد فأنجبوا مسوخاً ترتع في سيناء من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال بلا رادع؟!

.

في ذكرى تحريرها، تذيع وسائل الإعلام المصرية موسمياً أغنية “سينا رجعت كاملة لينا”. أما النصوص الرسمية لاتفاقية كامب ديفيد (1987) ومعاهدة السلام (1979) فتشهد أن مصر لم تستعد سيناء إلا بشروط إسرائيلية – أمريكية، ووعود من أنور السادات على استكمال التطبيع الاقتصادي والثقافي. ورغم المقاومة الشعبية الجارفة للتطبيع الثقافي، حتى في أوساط بدو جنوب سيناء الذين اضطرتهم ظروف المعيشة إلى التعامل مع السيّاح الإسرائيليين، إلا أن التحول السياسي الاقتصادي الذي قاده السادات، وتبعه فيه حسني مبارك، قد استفاد من انخفاض الكثافة السكانية وتدهور الأحوال التنموية في سيناء، ونجح في فرض أمر واقع يتوافق مع “المسموح به” إسرائيلياً، إن لم يكن استجابة صريحة “للمطلوب”.

.

ملامح عديدة يمكن الاسترشاد بها في رسم صورة للاقتصاد السياسي / الأمني في سيناء، سواءً في فهم ما يعنيه إطار كامب ديفيد من تعاون اقتصادي مباشر وتنسيق غير مباشر أم في إدراك عمق الصراع بين الأجهزة الأمنية وأجنحة السلطة في العقد الأخير من عهد مبارك. إجمالاً، يتفق كثير من أهل سيناء أن مشروعاتها واستثماراتها كانت إقطاعية لصالح الحسن والحسين؛ أي حسن راتب في شمال سيناء وحسين سالم في جنوبها. ولكل منهما قصة عميقة الدلالات وكاشفة لشبكات المصالح وحركة الأموال.

.

 حسين سالم .. رجل الأعمال والجنرال الهارب

لم يكن يجرؤ أحد على الاقتراب من اسم حسين سالم بالنشر قبل ثورة يناير التي كانت سبباً مباشراً في هروبه من الملاحقة القضائية في قضايا فساد كثيرة. كان زميلاً قديماً لمحمد حسني مبارك في القوات الجوية، ثم صار ضابطاً في المخابرات العامة المصرية قبل أن يستقيل اعتراضاً على أية خطط تؤدي إلى الحرب مع إسرائيل. لاحقاً، شارك محمد حسني مبارك والمشير عبد الحميد أبو غزالة ومنير ثابت (صهر حسني مبارك) في شركة “الأجنحة البيضاء”، التي تأسست في فرنسا وكانت المورد الرئيسي للسلاح في مصر.

.

يطلق عليه مؤسس شرم الشيخ السياحية، حيث كان أول من استثمر فيها منذ 1982، وهو العام التي تم فيه الانسحاب الإسرائيلي من كامل سيناء – عدا طابا – وفقاً لمعاهدة السلام. وقد أسس لصديقه وشريكه حسني مبارك مقراً دائماً للإقامة الرئاسية داخل بعض منتجعاته، وكانت ملاذاً له عقب إسقاطه وقبل القبض عليه لمحاكمته. وهو المكان الذي كانت مصر فعلياً تدار منه، وكانت المؤتمرات الدولية والإقليمية تعقد فيه.

.

ارتبط اسم حسين سالم بواحدة من أكبر الصفقات التجارية الفاسدة في تاريخ مصر المعاصر، وهي صفقة تصدير الغاز لإسرائيل عبر أراضي سيناء. لم يقتصر فسادها على السعر الزهيد الذي يقل كثيراً عن السعر المنافس عالمياً، ولا يحمل وصف الفساد مدلولاً أخلاقياً أو أيديولوجياً، بل بدأ الفساد بتأسيس شركة مملوكة لبعض الأطراف الوهمية غير المسجلة في بلاد المنشأ المزعومة. كان مهندس هذا الفساد هو حسين سالم، الذي كان شريكاً للجنرال الإسرائيلي المتقاعد يوسي ميلمان. على الرغم من النفوذ الاستثنائي والحصانة السيادية اللذين كان يتمتع بهما حسين سالم، إلا أنه لم يخلُ من منافسة شديدة النخبوية عجز عن حمايته منها صديقه حسني مبارك.

.

احتدم الصراع الاقتصادي بين جمال مبارك، نجل الرئيس، وبين حسين سالم، وكانت له عدة مظاهر مؤكدة التي راجت حولها بعض الأقاويل والإشاعات. لا يمكن – حتى الآن – تأكيد تورط وزير داخلية مبارك، حبيب العادلي، في تفجيرات شرم الشيخ (2005) التي قيل بعد الثورة أنها كانت انتقاماً من تخطيط جمال مبارك يسهل لصقه بمتطرفين إسلاميين ربما تم التلاعب ببعضهم واختراقهم أمنياً. لكن الأكيد هو شن حملة صحفية ضد حسين سالم تفضح علاقاته التطبيعية الوطيدة مع الإسرائيليين، والطريف أن تقود هذه الحملة، بدرجة عالية من المهنية والاستقصاء، جريدة “المصري اليوم” المملوكة لأحد أعمدة التطبيع في مصر، وهو الناشر هشام قاسم، وثيق الصلة بدوائر جمال مبارك المقربة.

.

لم ينتظر حتى سقوط رفيقه من الحكم، ولاذ بالفرار على متن طائرة خاصة إلى الإمارات العربية المتحدة في طريقه إلى سويسرا. صودر منه نصف مليار دولار في دبي، واستأنف رحلته إلى جنيف، قبل أن ينتهي به المطاف في بلده الثاني الذي يحمل جنسيته منذ عدة سنوات، أسبانيا. استغل نفوذه في الإفلات من قبضة الإنتربول مطالباً بمحاكمته في أسبانيا، ورغم تعثر الثورة المصرية إلا أن حكماً غيابياً صدر ضده بالسجن 15 عاماً، ولم تسلمه أسبانيا. نُشر سابقاً عن عزمه إصدار مذكراته مع مبارك مقابل مبلغ ضخم تدفعه دار نشر فرنسية، لكن تطور الأحداث – أو تدهورها – أدى إلى خفوت هذا المشروع وتراجع تلاسنه ضد مبارك الذي بلغ ذروته في خريف 2011. اختفى حسين سالم وتوارت معه أسرار لا حصر لها، تكشف في جانب منها عن المآل الذي أمست إليه الدولة المصرية بعد كامب ديفيد، ويظهر الجانب الآخر منها مركزية سيناء في الأمر كله، سواءً كموقع دارت فيه أغلب الشؤون ذات الصلة أو كمؤشر على السيادة والنزاهة وبوصلة العلاقات الإقليمية والدولية.

 .

حسن راتب .. مروّض الجنرالات وباني الجدار العازل

تكاد تكون قصة حسين سالم في جنوب سيناء شبه اعتيادية، رغم فجاجتها، فما هو إلا عسكري سابق وتاجر سلاح نافذ انخرط في علاقات فاسدة وقوية مع العدو الرسمي القديم والعدو الشعبي القائم فتضخمت ثروته في أزهى عصور الفساد والاستبداد. أما القصة الاستثنائية فتدور بين وسط سيناء وشمالها.

.

لم يأت حسن راتب من خلفية عسكرية، لكنه أحسن إدارة علاقته بالعسكر، فامتلأت شركاته بوظائف اسمية يحتلها قادة عسكريون متقاعدون يسهل ترويضهم بإغداق الأموال عليهم في مقابل استثمار نفوذهم لإنهاء أية إجراءات عالقة. ليس المميز في قصة حسن راتب عدد الجنرالات الذين استأنسهم في شركاته، بل الفريد حقاً هو مواقع خدمتهم السابقة، فبعضهم كان مديراً للمخابرات الحربية!

.

في ضربة مزدوجة من الفساد والخيانة، أقام حسن راتب مصنعاً الأسمنت في وسط سيناء مملوكاً جزئياً لشركة “لافارج”، ذات السجل الأسود في نقل التلوث إلى بلدان العالم النامي هروباً من القوانين البيئية الصارمة في أوروبا. أما الصفقة الرئيسية التي قام من أجلها المصنع فكانت تصدير أسمنت سيناء لبناء الجدار العازل في الأراضي المحتلة عبر معبر العوجة. في ذلك الوقت، كانت القبضة الأمنية أشد بطشاً من احتمالات التصدي الشعبي/الأيديولوجي لهذه الصفقة بالاستهداف المسلح من قبل إسلاميين أو غيرهم، على غرار تفجيرات خط الغاز التي بدأت في 2010 واشتدت عقب الثورة حتى توقف التصدير في 2012.

.

يمتاز الحسن عن الحسين أيضاً في علاقاته المحلية الواسعة، المتوازية مع العلاقات المالية مع العسكر، ففي لحظات الانفلات الأمني اتفق مع كبار المطلوبين أمنياً على حراسة مصالحه بالسلاح دون أن تضطرب علاقاته مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. ربما كان أحد الفوارق الرئيسية بين الحسن والحسين الخلفية المخابراتية التي دفعت حسين سالم إلى التغلغل في الظل والخفاء. أما حسن راتب فإن طموحه الاقتصادي لم يعطل تطلعاته السياسية والجماهيرية، فامتدت استثماراته إلى قطاعي التعليم والإعلام. يرجح بعض المحللين في القاهرة أن تكون قناة المحور الفضائية هي السبب المباشر في تحصين مالكها، حسن راتب، من الملاحقة في قضايا الفساد، على الأقل في ذروة الثورة. أما المجتمع المحلي في سيناء فلا يشغله من فساد حسن راتب، بخلاف مشكلات مصنع الأسمنت، سوى استيلائه على مشروع إنشاء جامعة حكومية في شمال سيناء وإنشاء جامعة خاصة باهظة الرسوم داخل قريته السياحية “سما العريش”. تقدم الجامعة منحاً كلية وجزئية لأبناء سيناء، لكنها تذهب عادة إلى أبناء بعض المشايخ الذين تربطهم المصالح بحسن راتب، حتى لو لم يكونوا أكثر استحقاقاً لها. وتشن الجامعة الخاصة حرباً ضروس ضد التوسع في فرع جامعة قناة السويس في شمال سيناء أو تطوير كلياتها، فضلاً عن استغلال حسن راتب نفوذه في التضييق على المعاهد الخاصة وتعطيل اعتماد شهاداتها.

.

قيل إن الثورة قد حطمت مشروعاً لتولية حسن راتب وزارة مستحدثة لتنمية سيناء تحت رئاسة جمال مبارك المفترضة. وبغض النظر عن صحة هذه التكهنات، فإن الأكيد أن حسن راتب، كرجل أعمال متلائم مع كل العصور، امتاز عن حسين سالم بالتوازن في علاقته مع جناحيْ السلطة؛ العسكر ورجال المال. وهكذا كان اقتصاد سيناء في العقود التالية لمعاهدة السلام وما تم تسميته تحريراً لها من الاحتلال الإسرائيلي، فهل أصابت سيناء نكسة واحدة أم عدة نكسات؟!

 .

لبقية المقالات المنشورة في جريدة السفير العربي عن سيناء:

سيناء .. شبه جزيرة الغموض

فلسطينيو سيناء بين النكبة والنكسة وكامب ديفيد

أطياف الجهاد في سيناء من الصوفية إلى حلفاء داعش

Advertisements

Responses

  1. […] سيناء: نكسة عبد الناصر أم نكسات الحسن والحسين؟ […]

  2. […] سيناء: نكسة عبد الناصر أم نكسات الحسن والحسين؟ […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: