Posted by: Ismail Alexandrani | أغسطس 8, 2014

إجازة سعيدة .. هل شعرت بعيد الفطر؟

بأي حال عدت يا عيد

مقال الرأي المنشور على موقع مصر العربية يوم الخميس 7 أغسطس 2014 على الرابط:

http://goo.gl/b0yybq

مر رمضان ثقيلاً بعد تعب وإرهاق بدني ونفسي غير مسبوقيْن. صيام في الحر ذكّر الناس بالأصل اللغوي لكلمة رمضان، من الرمض والرمضاء، وإنهاك معنوي على وَقْع أنّات الثورة الجريحة والضحايا المنتهكين. لكن رمضان، كعادته، يأتي بالنفحات وسط اللفحات، أو بالمنح بين طيّات المحن، فلم يخلُ من تجمع عائلي هنا، أو لقاء بين الأصدقاء القدامى هناك. هرب الكثيرون إلى الشواطيء، تسحروا على الرمال الصفراء، وأفطروا بعد مغيب احمرار الشمس في آفاق البحر. لكن الوجه الآخر من رمضان والعيد في مصر كان مأساوياً لأقصى درجة، لدرجة لا يمكن تخيّلها إلا لمن عاش أجواءها. تباين كبير بين شطري مصر، وكأن قناة السويس التي يثار اللغط حولها الآن تفصل بين عالمين مختلفين لا بين وادي النيل وسيناء المصرية.

.

لا أقصد الحديث عن غزة والإجرام الصهيوني ضد أشقائنا الفلسطينيين وإخوتنا في الإنسانية، فلم تعد الكتابة الآن لتضيف فرقاً أو لتزحزح أحداً عن موقفه. فالإنسان السوي اختار موقعه من الحرب منذ اليوم الأول، والمترددون بين تأييد حقوق الشعب الفلسطيني وبين اختلافهم السياسي أو الأيديولوجي مع حركة حماس قد حسموا موقفهم منذ فترة؛ إما إلى جانب البشر الأسوياء أو إلى الناحية المقابلة حيث يقبع المتصهينون المصريون والعرب في مكب نفايات أشباه البشر. لكني سأبوح بما أفسد عليّ العيد فلم أشعر فيه بشيء ينتمي لاسمه.

.

في منتصف رمضان سقطت قذيفة هاون في قلب مدينة العريش قيل إنها أخطأت هدفها فلم تصب معسكر الكتيبة 101 فقتلت تسعة مدنيين بينهم طفل، في حين أصابت قذيفتان أخريان هدفهما فقتلت إحداهما مجنداً. وعلى الرغم من كونه تطوراً غير مسبوق في الأوضاع الأمنية المتردية في مصر عموماً وسيناء خصوصاً، إلا أن عدم الاكتراث بوجود مدنيين في محيط أهداف “أنصار بيت المقدس” من القوات النظامية لم يعد أمراً جديداً أو مستغرباً. فبدءًا من محاولة اغتيال وزير الداخلية (سبتمبر 2013) وتفجير مديرية أمن جنوب سيناء (أكتوبر 2013)، مروراً بتفجير مديرية أمن الدقهلية (ديسمبر 2013)، وصولاً إلى استهداف مديرية أمن العاصمة (يناير 2014)، كان المدنيون في محيط عمليات “أنصار بيت المقدس”، الذي تحول من تنظيم مقاوم للصهاينة ومتمرد على سلطة الدولة المصرية، إلى تنظيم إرهابي يوجه عملياته للداخل ويقتل المدنيين.

.

كل ما سبق معروف وغير مستغرب، لكن الغريب والعجيب، والمؤسف والكارثي في الوقت ذاته، أن يبلغ استهتار الجيش الثاني الميداني بحياة المدنيين درجة القصف المدفعي العشوائي لتجمعات سكنية في جنوب مدينة الشيخ زويد، كبديل تكتيكي عن اشتباك المشاة مع أعضاء الجماعات توفيراً للخسائر في الأرواح والمعدات العسكرية.

.

صبيحة ليلة القدر، توجه العميد محمد سلمي، القائد بأحد معسكرات الأمن المركزي على الحدود المصرية مع دولة الصهاينة، إلى صلاة الجمعة داخل معسكر الزهور في مدينة الشيخ زويد. خرج بصحبة عميد في الجيش، فتم استهدافهما واغتيالهما بالقرب من منزل سلمي في قريته، الشلاق. كان وقع اغتيال العميد محمد سلمي ثقيلاً على أبناء شمال سيناء عموماً، وأبناء قبيلته “السواركة” خصوصاً، فهو المذكور بالخير دائماً، الذي اختار الخدمة في موقع لا يتعامل فيه مع الجمهور كبديل عن حرس الحدود (وفقاً لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي تحظر انتشار الجيش في المنطقة الحدودية، لولا بعض التعديلات المحدودة بعد الثورة). وهو الرجل الشجاع المتواضع، الذي لم يترك منزله في قريته البسيطة، والذي لم يتأخر عن خدمة من يعرفه ومن لا يعرفه، ولم يُروَ عنه التورط في أية انتهاكات ضد المواطنين كأغلب ضباط الشرطة.

.

اتخذت التدابير الأمنية المتعسفة بعد مقتله حتى عجز أقاربه عن الوصل إلى منزله لتقديم واجب العزاء. فحظر التجوال معمول به شرق العريش حتى رفح من بعد صلاة العصر بساعة. وفي اليوم التالي خرج رتل عسكري في مهمة أمنية تتبع التكتيك الجديد الذي ابتدعه اللواء محمد الشحات، القائد الجديد للجيش الثاني الميداني. وقف الرتل ناحية الكيلو 17 ليبدأ قصفه، فوقع ما كان يخشاه أهل سيناء وحذّروا منه..

.

سقطت قذيفة على منزل مأهول فقتلت وأصابت عشرة من عائلة واحدة، ومن بينهم خمسة أطفال، اثنان من الشهداء وثلاثة من المصابين، أصغرهم طفلة تبلغ من العمر 8 شهور. وفي أول أيام العيد، سقطت القذيفة الثانية على منزل آخر مأهول بقرية المقاطعة فقتلت طفلة وأصابت أختها. وفي ثاني أيام العيد، سقطت طفلة وأصيبت أختها برصاص الجيش العشوائي أثناء اللعب أمام منزلهما بقرية المهدية. وفي ثالث أيام العيد، سقطت امرأة مسنّة “على هامش” إحدى الحملات الأمنية.

.

لا يتورع المتحدث العسكري عن التفاخر بحرق أكبر قدر من عشش الفراخ بدعوى أنها عشش سلاح، ولا عن التباهي بنسف المنازل التي شقى أصحابها من أجل بنائها بجهودهم الذاتية الخالصة. يحاول أن يداري على أخطاء قوات الجيش التي تجاوزت مرحلة الانتهاكات إلى درجة الجرائم الواجب التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، فيصدر بيانات عن حرق سيارات ودراجات بخارية، ويستبيح أجساد المواطنين وحرياتهم بالوصم الجاهز “تكفيريين وإرهابيين وعناصر شديدة الخطورة”. يتوالى حديث البيانات الرسمية عن أعداد غير منطقية من القتلى والمصابين في صفوف الجماعات المسلحة والإرهابيين، وهو ما لا يتناسب مع وعد القائد السابق للجيش الثاني الميداني، أحمد وصفي، بتسليم سيناء “متوضئة” خلال أسبوع. يبدو الآن أن الجيش ينتوي تغسيل جثة سيناء غسلاً سرمدياً لا ينتهي!

.

عاشت القاهرة عيداً من السلاسة المرورية، فكثير من سكان القاهرة قد غادروها، إما للمصايف وإما لزيارة ذويهم في المحافظات المختلفة. فرح الناس بالفطر، وفرح الأطفال بالملابس الجديدة، واستمتع الشباب بالألعاب النارية والمفرقعات المزاحية. وفي الجانب الآخر من قناة السويس، أتى العيد بين العريش ورفح فوجد قرىً هجرها الرجال طوعاً أو كرهاً، أو قتلوا فيها أو اختطفوا منها حبساً واعتقالاً، ولم يبق للنساء والأطفال سوى بعض الأطلال وسيارات الملثمين المدججين بالسلاح. لم يكن هذا أسوأ ما في المدعو “عيد”، فالجيش قد استشعر الحرج من تحدي “أنصار بيت المقدس” له بإقامة صلاة العيد في الخلاء وإلقاء “أبو أسامة المصري” خطبة العيد أمام جمع من “الأنصار” المدججين بالسلاح الثقيل والمتوسط. وحين أراد الجيش رد الاعتبار لهيبته وسطوته الأمنية، دفعت أربع صبيّات وامرأة عجوز الثمن، ولم يُصب من أعضاء الجماعات أحد.

.

هكذا رأيتُ العيد، وهكذا عاشوه. وكل عام وأنتم بخير.

.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: