Posted by: Ismail Alexandrani | أغسطس 31, 2014

المجاهدة فرحانة ماتت زعلانة

مقال رأي منشور في موقع مصر العربية يوم الأحد الموافق 31 أغسطس 2014 على الرابط:

http://goo.gl/os1t6l

قبل نحو ثلاثة أسابيع أتاني خبر رحيلها فعزمت أن أكتب عنها مقالاً لتذكير القاريء بواحدة من أعظم مجاهدات سيناء. ولمدة ثلاثة أسابيع عجزت عن كتابة ما يليق بها، بل عجزت عن الهروب بكتابة أي مقال آخر. يحضرني جلال لقاءاتي بها حيث لم أكن سعيد الحظ بما يكفي لأستمع إليها طويلاً، كانت مريضة في أواخر عمرها، ولم تكن تسمع جيداً، وكانت تواجه صعوبة في حَكْي ذكرياتها وبطولاتها. حياؤها البدوي، الذي ألزمها بتغطية وجهها عن الرجال الغرباء في أعمار أحفادها، لم يمنعها من افتخارها بشهادات التقدير والقلادة التي حصلت عليها من القوات المسلحة تكريماً لأدوارها الفدائية الفريدة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في سيناء.

.

لم يقتصر دور الحاجة فرحانة، شيخة مجاهدات سيناء، على الدعم المعلوماتي للمخابرات الحربية المصرية، بل كان لها دور عملياتي مهم، فكانت بطلة عملية تفجير قطار السلاح والذخيرة الذي كان متجهاً لإمداد قوات العدو على خط السكة الحديد الواصل بين غزة والعريش آنذاك. وكانت “أتواب” القماش التي تتاجر فيها هي وسيلة إخفاء الخرائط والرسائل السرية بين عملاء المخابرات الحربية في المنطقة الحدودية وبين ضباط الجهاز في مقر قيادته بالقاهرة.

.

يحضرني جلال لقاءاتي بها، كما تحضرني مرارة القهر حين رأيتها لأول مرة وعرفت بالرقم الهزيل الذي تتلقاه كمعاش بعد هذه الرحلة الطويلة من الكفاح والنضال المشرف. سقطت ذات مرة فكسرت عظام رجلها، وحين ذهب أولادها إلى مستشفى القوات المسلحة لتتلقى حقها في العلاج على نفقة المؤسسة التي خدمتها قديماً، أخبروهم بأن اسمها ساقط من سجلات المجاهدين والمجاهدات. أحضروا شهادات التقدير والدرع النحاسي والقلادة، لكنهم طولبوا بدفع قيمة العملية الجراحية مقدماً، فنقلوا أمهم إلى مستشفى آخر أقل تكلفةً وعالجوها على نفقتهم الخاصة.

.

إحساس لا يوصف ولا يمكن التعبير عنه يداهمك حين تستمع إلى ذلك كله جالساً على حصيرة في منزل بسيط لأحد أبنائها حيث لا يمكنها العيش وحدها في منزلها الأكثر بساطة، ثم يُقضى عليك تماماً حين تجدها بعد ثلاثين سنة من تحرير سيناء لا تطمح في شيء سوى زيارة بيت الله الحرام، حاجةً أو معتمرة. فحتى العمرة لم يتذكرها بها الجيش الذي قدمت له ما لم يقدمه أي من القيادات الحالية في آخر حرب نظامية خاضها لتحرير الأرض.

.

جمعني بها أول لقاء في نهاية 2011، والتقيت بها عدة مرات لاحقة، إحداها في طريقها للمطار متجهة للعمرة على نفقة بعض أهل الخير. أما آخر لقاء فكان في منزل ابنها في مدينة الشيخ زويد بعد بدء العمليات العسكرية الموسعة ضد الجماعات المسلحة السنة الماضية. وقعت قوات الجيش المصري في أخطاء جسيمة وانتهاكات فادحة طاولت أرواح الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال، ومنازلهم، ومزارعهم، وسياراتهم ودراجاتهم البخارية، فما كان من الحاجة فرحانة إلا أن قالت الكلمة التي كنت أخشى سماعها. قارنت الحاجة فرحانة، كما فعل كل من عاصر عهد الاحتلال في سيناء، بين ممارسات جيش الاحتلال ضد السكان المحليين وبين ممارسات الجيش الوطني ضد المواطنين، ولم تكن المقارنة في صالح الجيش الوطني، للأسف الشديد. كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل المطلوبين وحدهم وتستميل عموم البدو بحسن المعاملة، أما القوات النظامية المصرية، سواء شرطة مبارك أو جيش السيسي، فيبدو أنها غير مكترثة بذلك، فالاعتقال يطال المطلوب وأقارب المطلوب وجيرانه وأصدقاءه وكل المشتبه بهم، وسوء المعاملة هو الأصل إلى أن يثبت ما يستدعي العكس. وأما عن العقوبات الجماعية العشوائية فحدث بلا حرج عن الرصاص الاحترزاي والقذائف غير المصوبة تجاه أهداف محددة فتزهق أرواح الأطفال والنساء، وحدث أيضاً عن نسف المنازل، وحرق المزارع، وتدمير السيارات، وقطع الاتصالات، ومنع سيارات الإسعاف، واترك القوس مفتوحاً بلا نهاية ..

.

يرحل جيل المجاهدين، ويخلفهم في سيناء جيل أرعن من الجهاديين ينتسبون للمجاهدين القدماء دماً ومصاهرةً وجيرةً، ويفارقونهم فكراً وتوجهاً وأسلوباً، فيقتتلون مع جيل من قادة الجيش لم يعرف الحروب النظامية كما عرفها أسلافه. تصعد أرواح المجاهدات إلى بارئها، شاكيةً إليه اقتتال أبناء البلد الواحد، بعد أن تاه معنى العدو وغاب معنى الشريك ..

.

ولدت فرحانة حسين سلامة زرعي يوم الجمعة الموافق 4 سبتمبر 1925 (15 صفر 1344 هجرياً)، وصعدت روحها إلى بارئها فجر الإثنين الموافق 11 أغسطس 2014 (14 شوال 1435 هجرياً) عن عمر يناهز 89 سنة ميلادية، وأكثر من تسعين سنة هجرية.

.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: