Posted by: Ismail Alexandrani | نوفمبر 26, 2014

سياسة المنطقة العازلة بين مصر وغزة

المنطقة العازلة التي يجري العمل على إنشائها في الجانب المصري من منطقة رفح الحدودية سوف تزيد من حدة المظالم الاجتماعية التي تقع في صلب العنف في سيناء.

مقالي المنشور في موقع صدى لتحليلات الشرق الأوسط التابع لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بتاريخ 25 نوفمبر 2014 على الرابط التالي:

http://goo.gl/GwKHOV

المنطقة العازلة التي يجري العمل على إنشائها في الجانب المصري من منطقة رفح الحدودية سوف تزيد من حدة المظالم الاجتماعية التي تقع في صلب العنف في سيناء.

باشرت السطات المصرية إنشاء منطقة عازلة في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي في أقصى الشمال الشرقي لشبه جزيرة سيناء على طول الحدود مع غزة، والتي ستفصل بين رفح الفلسطينية في الشرق ورفح المصرية في الغرب. سوف تمتدّ المنطقة العازلة من المعبر الحدودي حتى مسافة كيلومتراً في الداخل المصري. لكن على الرغم من أن المسؤولين المصريين يقولون إن هذا الإجراء يأتي رداً على عدد من الهجمات الدموية التي شنّتها جماعة أنصار بيت المقدس منذ صيف العام 2013، إلا أن قرار تحميل الوضع داخل المنطقة الحدودية الممتدة على طول 14 كيلومتراً في سيناء تبعة التدهور الأمني في مصر، هو في نهاية المطاف قرار سياسي الطابع. 

.

يعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن المنطقة العازلة ستضع حداً لتدفق المقاتلين والسلاح من غزة إلى سيناء- على الرغم من أن حجم هذا التدفق ليس واضحاً. واقع الحال هو أن القرار يعكس عداء حكومة السيسي تجاه حركة حماس في غزة التي تُعتبَر الحليف الاستراتيجي والأيديولوجي الأقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين – العدو السياسي للنظام المصري. ولذلك يُستبعَد أن يساهم هذا الخيار في كبح العنف في سيناء أو سواها من المناطق، كما زعم السيسي في خطابه المتلفز في 25 تشرين الأول/أكتوبر للماضي.

.

لقد أعلنت السلطات المصرية في مناسبات عدة عن نيتها إنشاء منطقة عازلة، لكنها لم تتحوّل واقعاً على الأرض إلا بعد الهجوم العنيف الذي استهدف حاجز تفتيش عسكرياً في كرم القواديس يوم الجمعة 24 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فقد أسفر الهجوم الذي نفّذته جماعة أنصار بيت المقدس – التابعة حالياً لتنظيم داعش تحت إسم “ولاية سيناء” – عن مقتل ما لايقل عن 28 جندياً وضابطاً في صفوف الجيش المصري وإصابة 26 آخرين بجروح. على الرغم من أنه لطالما شدّد الحوار الأميركي-الإسرائيلي والحوار الأميركي- المصري على الحاجة إلى إغلاق الأنفاق الحدودية مع غزة ووقف تهريب السلاح إلى القطاع، إلا أن صعود المجموعات الجهادية السلفية في العامَين 2011 و2012، مثل مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس، وأنصار بيت المقدس، جعل المسألة أكثر إلحاحية لاسيما على ضوء الهجمات التي شنّتها تلك المجموعات. وقد بدأ الجيش، خلال عهد محمد مرسي، حملة محدودة أطلق عليها اسم “عملية سيناء” ضد المجموعات الجهادية المسلّحة بعد الهجوم على معسكرٍ لحرس الحدود، والذي أسفر عن مقتل 16 جندياً في 5 آب/أغسطس 2012. بيد أن العملية لم تتمكّن من وضع حد لهذه الهجمات.

.

بعد عزل مرسي في الثالث من تموز/يوليو 2013، وإبان عمليات القتل الجماعي التي استهدفت الإسلاميين، اعتبر أنصار بيت المقدس أن الجيش يشنّ، من خلال التدابير التي يتّخذها، حرباً على المسلمين، وردّوا باستهداف الجنود العاديين الذين شكّكت المجموعة في معتقدهم الديني. والآن تدّعي حكومة السيسي أن عزل المنطقة الحدودية وتدمير أنفاق غزة سيساهمان في تراجع الهجمات المسلّحة على القوى الأمنية والمواطنين المصريين. لكن هجمات كثيرة، ومنها الهجوم الذي شُنَّ في تموز/يوليو الماضي في واحة الفرافرة في الصحراء الغربية الشاسعة، ليست نتيجة السلاح الذي يدخل إلى مصر عن طريق غزة – بل تأتي رداً على القمع والمظالم الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تتسبّب بتأجيج العنف. وإنشاء المنطقة العازلة ينم عن عدم إدراك للأسباب الحقيقية خلف العنف، لابل أكثر من ذلك، سيتسبّب على الأرجح بتفاقم هذه المظالم.

.

وخير دليل على ذلك الأحداث الدموية التي وقعت في 31 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فبعد ثلاث ايام من طرد سكّان سيناء من القطاع الحدودي في رفح والانتشار الكثيف للقوات العسكرية في المنطقة، استهدفت عبوة ناسفة آلية مدرّعة تابعة للجيش المصري في مدينة العريش (على بعد 40 كلم غرب رفح)، على الرغم من حظر التجوال وإغلاق الطرقات. وقد لقي جنديان مصرعهما وأصيب الباقون بجروح. وفي 12 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، بعد أقل من شهر على هجوم كرم القواديس، قاد ضابط منشق في البحرية يدعى أحمد عامر كان قد أعلن ولاءه لتنظيم داعش، عملية بحرية قبالة ساحل دمياط. قد يكون عامر أول ضابط منشق، لكن هشام عشماوي، القائد الميداني لأنصار بيت المقدس، كان أيضاً ضابطاً عسكرياً في الجيش المصري.

.

بيد أن مشكلة الأنفاق ومايحيط بها من هواجس تعود إلى ماقبل السيسي والوضع الراهن في سيناء. فقد تعرّضت حكومة مبارك للضغوط لتدمير الأنفاق الحدودية، كما ورد في مذكرة تفاهم أمنية أميركية-إسرائيلية موقّعة في 16 كانون الثاني/يناير 2009، وقد تعهّدت الحكومتان العمل معاً إلى جانب الحلفاء الإقليميين من أجل منع تهريب السلاح  إلى غزة. على الرغم من أنه لايُعرَف بالضبط إذا كانت تصل الأسلحة إلى مصر، إلا أن حكومة السيسي حمّل المقاتلين من غزة مسؤولية العمليات الإرهابية في سيناء. وقد تمكّن من تحويل النقاش حول الأنفاق من التركيز على كونها تشكّل بصورة أساسية تهديداً أمنياً لإسرائيل إلى اعتبارها تهديداً قومياً ومحلياً – الأمر الذي ساهم بدوره في تعزيز حجّته لإنشاء منطقة عازلة.

.

يفشل المنطق المستخدم في الدفاع عن إنشاء المنطقة العازلة في معالجة المشكلة الحقيقية لتدفق الأسلحة، ومن شأنه أيضاً أن يزيد من جاذبية المجموعات الجهادية التي تعمل في سيناء. لقد فقدت المجتمعات المحلية في شبه الجزيرة ثقتها بالجيش وسيادة القانون. يشبّه السكان العقوبات العشوائية والجماعية التي تنفّذها حكومة السيسي بالانتهاكات السابقة خلال عهد مبارك. أما السكّان المتقدّمون في السن، ولاسيما قدامى المحاربين، فغالباً مايشبّهون تدابير الجيش المصري في سيناء بممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تمركزت في شبه الجزيرة من 1967 إلى 1982.

.

بغية تبرير الإجراءات المشدّدة في التعامل مع المتمردين في سيناء، أقرّ قادة الجيش المصري قوانين جديدة من أجل تأمين غطاء قانوني لممارساتهم. وقد أعلن السيسي حال طوارئ لمدّة ثلاثة أشهر، اعتباراً من 25 تشرين الأول/أكتوبر 2012 في شمال شرق سيناء – الذي يضم رفح والشيخ زويد والعريش وعشرات القرى الأخرى – في خطوة تزعم السلطات أنها تصب في إطار المصلحة الوطنية. وكذلك أقرّت الحكومة قانونيُجيز للمـؤسسة العسكرية “حماية وتأمين المنشآت العامة والحيوية بالدولة”، مثل الجسور والطرقات.

.

بيد أن الإجراءات الأخيرة لإنشاء منطقة عازلة ستؤدّي إلى توسيع الهوة بين الحكومة وسكّان سيناء. حتى الآن، فشلت الحكومة في تنظيم عمليات الإجلاء كما يجب، ماجعل النازحين معرّضين خلال بحثهم عن وسائل النقل و مساكن بديلة. ستستمر هذه المقاربة العشوائية في تأجيج النزاعات الاجتماعية والقبلية والتشنّجات المحلية. وقد شاءت الصدفة أن معظم الأشخاص الذين طالهم النزوح القسري ليسوا من القبائل البدوية، بل يتحدّرون من المماليك الذين نجوا من مجزرة القلعة في العام 1811 1. فقد بات بإمكان هذه العائلات أن تنضم الآن إلى جيرانها البدو في الحديث عن الظلم الجماعي اللاحق بها على أيدي الجيش المصري.

.

على الرغم من ذلك، تمضي الحكومة المصرية قدماً بتنفيذ خطتها، ومن غير المرجّح أن تبدّل مسارها. وقد لقي القرار مباركة الولايات المتحدة وإسرائيل فضلاً عن السعودية والإمارات العربية المتحدة، حليفتَي السيسي الأساستين في منطقة الخليج. تعكس المقاربة التي تعتمدها السلطات المصرية إيماناً عميقاً بجدوى الحلول الأمنية في محاربة الإرهاب – فتضاف بذلك إلى القائمة الطويلة من الانتهاكات المنهجية التي ارتكبتها السلطات المصرية بعد الثالث من تموز/يوليو.


1. بالاستناد إلى مقابلات مع زعماء القبائل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: