تسجيل كامل لمحاضرة “داعش في سيناء .. متى؟ ولماذا؟ وماذا بعد؟!”

ألقيتها يوم السبت 7 مارس 2015 في واشنطن العاصمة للجالية المصرية

Posted by: Ismail Alexandrani | مارس 5, 2015

إلى أين ينتهي الصراع المسلح في سيناء؟

آثار الدبابة التي قصفت مسجد "اللفيتات" يوم الجمعة 13 سبتمبر - التقطت الأحد 15 سبتمبر 2013

آثار الدبابة التي قصفت مسجد “اللفيتات” يوم الجمعة 13 سبتمبر – التقطت الأحد 15 سبتمبر 2013

ورقتي التحليلية المنشورة في مركز الجزيرة للدراسات بتاريخ 16 فبراير 2015 على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/reports/2015/02/20152311726421951.htm

ويمكن الحصول عليها بصيغة   بالضغط (هنا)

مقدمة

لم يكن هجوم تنظيم ولاية سيناء-جماعة أنصار بيت المقدس، نهاية يناير 2015، على عدة مواقع عسكرية وأمنية في شمال سيناء، فأوقع العشرات من العسكريين وعدداً من المدنيين، سوى حلقة من حلقات تدهور الأوضاع الأمنية في شبه جزيرة سيناء، في الشمال الشرقي من مصر، منذ اندلاع ثورة يناير/كانون الثاني 2011. بدأ الانفلات الأمني منذ أربع سنوات، ثم ما لبث أن انفجر بعد انقلاب يوليو/تموز 2013 وما تلاه من مذابح وقعت في صفوف الإسلاميين في قلب العاصمة. تبنت جماعة “أنصار بيت المقدس” المتمركزة في سيناء خطابًا تعبويًّا منذ أغسطس/آب 2013 يصوّر عملياتها ضد الجيش والشرطة ثأرًا “للمسلمين”، ويكفّر القوات النظامية. أما على مستوى الوضع الميداني، فإن المجتمع المحلي يرى العنف في عمليات الجهاديين التي بدأت استباقياً ضد القوات، التي لم تكن بدأت حربها الموسعة في سيناء عقب الانقلاب في القاهرة، كنوع من إعلان التمرد على إمكانية القبول بعودة الوضع الأمني الذي كان سائدًا في المنطقة الحدودية من شمال سيناء قبل الثورة، وما ساد فيه من انتهاكات شديدة ارتكبتها بحقهم قوات الشرطة في أواخر عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك من دون قدرة على المواجهة.

.

منذ مذبحة دار الحرس الجمهوري(1) يوم 8 يوليو/تموز 2013، بدأت الجماعات المسلحة باستهداف المركبات وأفراد الجنود بعمليات متفرقة لا يتم الإعلان عن أغلبها، ولا إصدار بيانات بتحمل المسؤولية عن المعروف منها، ثم شنّ الجيش حربه الموسعة عليهم، المستمرة حتى الآن، منذ يوم السبت 7 سبتمبر/أيلول 2013. وقد أصدرت قيادات الجيش وعودًا بالانتهاء من هذه العمليات سريعًا، والقضاء على “الإرهاب” وفرض الأمن في أسابيع، بل أيام قليلة(2)، لكن الشهور مرت تلو الشهور من دون أي تقدم. على النقيض من الوعود المتكررة، ساءت الأوضاع الأمنية في سيناء، وازدادت عمليات “أنصار بيت المقدس” شراسة، وبايعوا تنظيم الدولة الإسلامية وغيّروا اسمهم إلى “ولاية سيناء” في نوفمبر/تشرين الثاني 2014. مؤخرًا انتشرت ظاهرة كمائن “ولاية سيناء” على الطرق الفرعية، والرئيسية أحيانًا؛ من أجل البحث عن مطلوبين يتهمونهم بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أو المصرية ضدهم. بلغت خطورة الكمائن درجة اختطاف ضابط شرطة برتبة نقيب وتصفيته(3)، وتفادي القوات المصرية نقل قواتها بريًّا تمامًا.

.

تقدِّم هذا الورقة تحليلًا لموازين القوى في الصراع المسلح الجاري في سيناء بين قوات الدولة النظامية وبين الجماعات المسلحة، وعلى رأسها “ولاية سيناء”، أو “أنصار بيت المقدس” سابقًا، لافتة الانتباه إلى خطورة اختزال المشهد الجاري في شقّه الأمني أو المسلح، وتهميش الأوضاع الإنسانية والاجتماعية المتأزمة. وهو تحليل مُستقًى من عمل ميداني مكثف في سيناء بعد ثورة يناير/كانون الثاني، وعشرات المقابلات الفردية والجماعية التي يضمها الباحث إلى ملاحظاته ومعايشته الإثنوجرافية لمجتمع البحث.

 .

موقع الجيش ورؤيته للصراع

يرى الجيش موقعه ممثلًا عن الدولة، ومخولًا بالشرعية الدستورية والقانونية لحماية الأمن القومي للبلاد، وحارسًا لسيادة الدولة على أراضيها. يدخل حفظ الأمن في المناطق الحدودية، كواجب دستوري أصيل، ضمن مهام الجيش وأولوياته القصوى، مهما اندلع من خلاف حول تحديد مساحة هذه المناطق الحدودية، ومهما اختلفت توجهات الأنظمة والحكومات في تحديد مصدر الخطر الخارجي. وكواجب قانوني له درجة إلزامية الدستور ذاتها، فإن الجيش هو المسؤول عن التزام جمهورية مصر العربية فيما يخص الجانب الأمني من معاهداتها الدولية. على رأس هذه المعاهدات، تنص معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، الموقّعة في واشنطن العاصمة بتاريخ 26 مارس/آذار 1979 على النص التالي:

.

“يتعهد كل طرف بأن يكفل عدم صدور فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو أفعال العنف أو التهديد بها من داخل أراضيه، أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته أو مرابطة على أراضيه ضد السكان أو المواطنين أو الممتلكات الخاصة بالطرف الآخر. كما يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الاشتراك في فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الآخر في أي مكان. كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للمحاكمة”(4).

.

وبالتالي، فإن سريان معاهدة السلام يلزم الجيش المصري قانونًا بتأمين الأراضي الفلسطينية المحتلة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية من أي فعل عدواني صادر من سيناء، وإلّا فإن أي تهاون في ذلك يعتبر خرقًا للمعاهدة وتفريطًا في التزاماتها.

.

من هذا المنطلق القانوني والسيادي، يرى الجيش أن عملياته الأمنية في سيناء ليست مجرد حق، بل واجبًا عليه. ولأنَّ مثل هذه المواجهات تتطلب دعمًا شعبيًّا، فإن الجيش قد اعتمد على المخزون المعنوي من رصيده لدى القبائل والعائلات المحلية في شمال سيناء عمومًا، وفي المنطقة الحدودية منها على وجه الخصوص. يمتد هذا المخزون إلى العلاقة الوطيدة التي نشأت بين المخابرات الحربية المصرية وبين المتعاونين معها من المحليين في أنحاء سيناء، ولاسيما أتباع الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية في الشمال من شبه الجزيرة، ممن يمكن وصفهم بــــ”الصوفيين المجاهدين”(5). بدأ التعاون منذ حرب العدوان الثلاثي في 1956، وترسخ وتأكد في فترة الاحتلال الإسرائيلي من يونيو/حزيران 1967 حتى ما بعد اكتمال الانسحاب في إبريل/نيسان 1982. زاد الرصيد المعنوي للجيش لدى المجتمع المحلي خصوصًا في المنطقة الحدودية من سيناء؛ بسبب انفراد قوات الشرطة بالتواجد الرسمي في هذه المنطقة (المنطقة ج)، وفق الملحق الأمني من معاهدة السلام(6).

.

ظهر الدعم الشعبي الكبير للجيش في مقابل العداء الشديد المسلح ضد الشرطة في الأيام الأولى من ثورة يناير/كانون الثاني 2011، حيث رحّب الأهالي بمدرعات الجيش ومركباته التي لم يروها في المنطقة الحدودية منذ 1967. استمر هذا الدعم على المستويين السياسي والأمني في عملية “نسر”، التي اندلعت بعد أحداث الاعتداء على قسم ثان شرطة العريش بالتزامن مع المظاهرات المسلحة التي جابت شوارع المدينة، فيما أطلق عليها الإسلاميون في حينها “جمعة الهوية الإسلامية” (29 يوليو/تموز 2011)، ثم في عملية “نسر 2” التي بدأها الجيش بعد تصفية 16 من جنوده في نقطة “الحرية” الحدودية، بعد أسابيع قليلة من تولي الرئيس المعزول محمد مرسي مهامه، فيما عُرف إعلاميًّا بــ”مذبحة رفح الأولى” (أغسطس/آب 2012). يحاول الجيش الآن الحفاظ على ما تبقى من هذا المخزون المعنوي بعد استنفاده بعدد هائل من الانتهاكات الموسعة والجرائم الجنائية والإنسانية، التي تورطت فيها قواته منذ سبتمبر/أيلول 2013 حتى الآن، من دون محاسبة للمتورطين أو تعويض للضحايا. لم تقلّ انتهاكات الجيش، بل تصاعدت وتيرتها، كمًّا ونوعًا، حتى بلغت درجة التهجير القسري الجماعي لسكان مدينة رفح(7)، وتكرار مقتل عشرات النساء والأطفال داخل منازلهم بالقذائف العشوائية، فضلًا عن الاختفاء القسري والإعدام الميداني العشوائي(8). يراهن الجيش على تفزيع المجتمع المحلي من أي سيناريو مخالف لسيناريو انتصاره والقضاء على الجماعات المسلحة، وهو ما يخشاه المجتمع المحلي بالفعل، حتى لو تشكك في قدرة الجيش على تحقيق أهدافه، فإذا كان الدعم المعنوي المحلي قد تناقص كثيرًا في رصيد الجيش، فإن الراجح أنه لم يذهب للطرف الآخر -في أغلبه- بل بقي على الحياد.

.

أما على مستوى التسليح، فإن الجيش يعتمد على تسليح الجيش الثاني الميداني وفق ما تسمح به التعديلات في الملحق الأمني لمعاهدة السلام، والتفاهمات التي يجريها الجانب المصري مع نظيره الإسرائيلي بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية والقوات متعددة الجنسيات والمراقبين MFO. سُمح للجيش المصري بنشر قوة محدودة العدد وخفيفة التسليح من تشكيلاته لأول مرة عام 2007 للتصدي لاجتياح فلسطينيي قطاع غزة للسياج الحدودي؛ بسبب اشتداد الحصار عليهم، ثم استحدثت عدة تعديلات لاحقة، لاسيما فور انسحاب الشرطة من المنطقة الحدودية يوم 28 يناير/كانون الثاني 2011، ثم في عمليتي “نسر” و”نسر 2″ في 2011 و2012 على الترتيب. المؤكد، حتى الآن، بحسب المشاهدات الميدانية والتصريحات والبيانات الإعلامية الرسمية، سواء النصية أم المصورة، أن الجيش استخدم قوات المشاة ومركباتها المدرعة والمجنزرة، وكذلك المدفعية الخفيفة والثقيلة، وطائرات الأباتشي المقاتلة، إضافة إلى قوات الصاعقة والعمليات الخاصة. ويدور الجدل، من دون حسم، حول هوية الطائرات بدون طيار (طائرات درون أو الزنانة) التي قصفت عدة منازل في القرى الحدودية، وقتلت العديد من المدنيين، فيقول البعض: إنها طائرات إسرائيلية سمعها سكان المنطقة الحدودية تخترق المجال الصوتي من الناحية الشرقية، ويجادل البعض بأنها مصرية مستدلًّا بالطائرات الشبيهة المستخدمة في تأمين المجرى الملاحي لقناة السويس، والتي يراها الناس بوضوح في الليالي المقمرة(8). أما من حيث التمويل، فإن التصريحات الرسمية الأميركية تؤكد الدعم السياسي والعسكري والتمويلي (عبر المعونة العسكرية) لعمليات الجيش في سيناء(9).

.

على المستوى الميداني، يعتمد الجيش على متعاونين معه من المدنيين المحليين، سواء من العائلات الحضرية في العريش أو من بدو المنطقة الحدودية. كانت دوافع التعاون في بداية الحرب مختلطة بين الدوافع الوطنية الطوعية وغيرها من حيث الاحتماء بالسلطة والأمن من بطش قواتها، ثم ما لبثت الأمور أن تعقدت؛ بسبب الانتهاكات الموسعة التي ارتكبتها قوات الجيش. انفض عن الجيش المتعاونون من ذوي المكانة في عائلاتهم وعشائرهم، وكثر في صفوف المتعاونين من يعرفهم المحليون بسوابقهم الجنائية وانحرافهم السلوكي، وتورطوا في تصفية حسابات مع غرمائهم عن طريق الوشاية الانتقامية. بدأ التعاون معلوماتيًّا وإرشاديًّا في الحملات الميدانية، ثم تطور إلى تعاون أمني مسلح، بصفة فردية من دون تشكيل مجموعات مسلحة(10)، وقُتل بعضهم في مواجهات مع “أنصار بيت المقدس”، وحددت هوياتهم وعائلاتهم، سواء بعد دفن جثامينهم أم بطرق تقليدية أخرى. نجح “أنصار بيت المقدس” في الإيقاع بالعديد من هؤلاء المتعاونين وتصفيتهم، فاجتمع على من تبقى منهم التهديد الأمني، إضافة إلى الوصمة الاجتماعية بأنهم متورطون في جرائم القوات النظامية وضالعون فيها.

 .

موقع الجماعات المسلحة(11) في الصراع

بدأ نشاط الجماعات المسلحة المتمردة على سلطة الدولة في سيناء لأول مرة عام 2004، حيث نفّذ تنظيم “التوحيد والجهاد” ثلاث عمليات في ثلاث سنوات متتالية، مستهدفًا المنتجعات السياحية على خليج العقبة بجنوب سيناء بالتزامن مع تواريخ ثلاث مناسبات وطنية. في طابا ونويبع، ثم في شرم الشيخ، ثم في دهب، قتل التنظيم أكثر من 130 مصريًّا وأجنبيًّا، بينهم سائحون إسرائيليون، وأصاب أكثر من 300 في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2004(12)، و23 يوليو/تموز 2005(13)، و24 إبريل/نيسان 2006(14)، على الترتيب. قُتل مؤسس التنظيم، خالد مساعد، في مواجهات مع قوات الشرطة بالقرب من مدينة الشيخ زويد في أغسطس/آب 2005، برفقة اثنين من قادة التنظيم، فتشظّى من بقي من أفراده خارج المعتقلات، ولجأ بعضهم إلى قطاع غزة عبر الأنفاق. في غزة، انضموا إلى أقرانهم من السلفية الجهادية، وتأثر بعضهم بالتكفيريين الجهاديين من جماعة “جند أنصار الله” التي دخل أميرها، عبد اللطيف موسى، في صراع مسلح مع حكومة حماس، انتهى بقصف مسجد “ابن تيمية” وقتله في رفح الفلسطينية.

.

بدأت عودة الهاربين من غزة في خريف 2009 بالتزامن مع انتعاشة الأنفاق غير المسبوقة، فعادوا مخضرمين ومحمّلين بخبرات قتالية وأمنية متقدمة اكتسبوها أثناء حرب غزة (2008– 2009)، ومن هنا بدأ تكوين النواة الأولى لتنظيم “مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس” ذي الأصل الغزّاوي، بالتوازي مع نشأة الخلايا الأولى لجماعة “أنصار بيت المقدس” ذي الأغلبية السيناوية من بقايا تنظيم “التوحيد والجهاد”(15). بدأ “أنصار بيت المقدس” أولى عملياتهم في صيف 2010 باستهداف خط أنابيب الغاز الطبيعي المصدر إلى الأردن وإسرائيل، من دون إعلانهم عن مسؤوليتهم. تكررت عمليات استهداف خط الغاز أكثر من 13 مرة، حتى أعلن المجلس العسكري في فترة سلطته الانتقالية في 2012 عن التزامه بحكم محكمة القضاء الإداري ووقف تصدير الغاز إلى إسرائيل؛ بسبب فساد صفقة بيعه. بعدها، أصدروا أول تسجيلاتهم المرئية، “وإن عدتم عدنا”، في صيف 2012، معلنين عن هويتهم وتوجههم الفكري القاعديّ ومسؤوليتهم عن عمليات تفجير أنبوب الغاز.

.

تحولت نيران جماعات السلفية الجهادية من المصالح الإسرائيلية داخل سيناء إلى الأهداف الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فنفّذ كل من “الأنصار” و”الأكناف” عدة عمليات -بعضها نوعيّ وكبير- في “أم الرشراش” (إيلات) وصحراء النقب، وأصدروا التسجيلات المرئية والبيانات الإعلامية للتبرؤ من اتهامهم بارتكاب “مذبحة رفح الأولى” في أغسطس/آب 2012، ومشددين على رفضهم الطريق الديمقراطي الذي انتهجه الإسلاميون السياسيون. أكدوا في إصداراتهم أن طريقهم هو الإسلام الجهادي وحده، معتبرين الآليات الديمقراطية كُفريَّة وشِركيَّة، لكنهم لم يكونوا يكفِّرون عموم القوات النظامية من الجيش والشرطة، وسكتوا عن موقفهم العقائدي من قادة الجيش. استمرت عملياتهم ضد الجانب الإسرائيلي في حرب أيديولوجية مقدسة من أجل “تحرير المسجد الأقصى”، بحسب خطابهم، غير معترفين بوجود فواصل من حدود سياسية من نتاج اتفاقية “سايكس-بيكو” أو غيرها، فضلًا عن رفض المجتمع المحلي عمومًا -على اختلاف توجهات مكوناته- لاتفاقية “كامب ديفيد” ومعاهدة السلام.

.

رد الجانب الإسرائيلي بعمليات خاصة اخترقت الحدود لمسافات كبيرة؛ من أجل تصفية كوادر “أنصار بيت المقدس”، مثل إبراهيم عويضة (قرية خريزة في وسط سيناء، صيف 2012)، ومهدي أبو دراع (قرية جوز أبو رعد بجنوب رفح، ربيع 2013)، واستغلت الانفلات الأمني في اختطاف وائل أبو ريدة القيادي بحركة الجهاد الإسلامي في غزة أثناء زيارة عائلية علاجية لدلتا وادي النيل في ربيع 2013(16). وهي العمليات التي أحرجت الجيش المصري ودفعت به لاحقًا لإثبات سيطرته الأمنية على المنطقة الحدودية، بوصفه التزامًا بنصوص معاهدة السلام، كما سلف الذكر أعلاه؛ وذلك رفعًا للحرج وضمانًا لدعم الجانب الإسرائيلي(17) في المحافل الدولية لانقلابه على السلطة المدنية المنتخبة في يوليو/تموز 2013؛ من أجل الاعتراف الدولي بالوضع الجديد.

.

هنا، كانت نقطة التحول في نيران الجماعات المسلحة المؤدلجة من الجانب الإسرائيلي إلى القوات المصرية في رسالة مزدوجة. فهي من ناحية ترفض تلويح السلطة بعودة القمع الذي كان سائدًا قبل الثورة من دون مقاومة مسلحة، ومن ناحية أخرى فهي نجحت في استدراك الجيش لما يعتبره جمهور مؤيديهم إعانة للجيش الإسرائيلي على “المسلمين”، وفق خطابهم الأيديولوجي. وهو ما جعلهم يتجرؤون على اتهام الجيش بالخيانة والعمالة والكذب عقب أول قصف جوي لقريتي الثومة والمقاطعة في 11 أغسطس/آب 2013، ثم ما لبث خطابهم أن أعلن تكفير قوات الجيش والشرطة كافة، من دون استثناء للمجندين إجباريًّا(18).

.

يعتمد موقف الجماعات المسلحة على رسوخ عداء إسرائيل في نفوس المجتمع المحلي في سيناء وعدم زوال الإرث التاريخي منذ زمن الاحتلال وما بعده؛ لذلك فإن جثامين الأربعة الذين قصفتهم طائرة إسرائيلية بدون طيار في منطقة العجراء، جنوب رفح، قبيل إطلاقهم ثلاثة صواريخ “أرض-أرض” باتجاه إحدى المستوطنات، بتاريخ 9 أغسطس/آب 2013، قد شيعت في جنازة مهيبة. ظن البعض أن الجنازة تعكس شعبية السلفية الجهادية في سيناء، وهو ما لم يكن صحيحًا؛ لأن جموع المشيعين أتوا للتضامن مع من رأوهم “أبطالًا” استشهدوا بنيران العدو التاريخي الاستراتيجي، فهتفت الجنازة ضد إسرائيل وضد اليهود(19)، وانضم إليها متعاطفون من أنحاء سيناء وليس فقط أقارب القتلى من قبائلهم وعشائرهم، بل إن كثيرًا منهم لم يكونوا ذوي ميول إسلامية، حتى إن بعضهم أيّد الجيش لاحقًا في حربه على الجماعات المسلحة(20).

.

لم يستمر ما ظنه بعض المراقبين دعمًا شعبيًّا للسلفية الجهادية في سيناء، فبمجرد أن اندلعت المعارك بين الجيش والجماعات الجهادية أخذ أغلب الناس موقفًا مؤيدًا للجيش. صحيح أن دعم الجيش قلّ كثيرًا؛ بسبب الانتهاكات والجرائم، إلا أنه لم يذهب -في أغلبه- للجماعات، بل يقف أغلب المحليين على الحياد. لا يعني هذا أن المجتمع المحلي ضد الجماعات المسلحة على المستوى الأمني أو القتالي، بل الواقع يشهد بذعر المحليين من طرفي الصراع، وصل أحيانًا درجة ترحيبهم ببعض انتهاكات الجيش المحدودة نسبيًّا في حقهم؛ لإثبات أنهم غير متعاونين معه، وبذلك يأمنون جانب الجماعات(21). أما من ناحية المسلحين فإنهم يتبعون استراتيجية معنوية ثلاثية الأبعاد، فمن ناحية يقومون بتوثيق انتهاكات الجيش وبثها على شبكات التواصل الاجتماعي لإيجاد المسوّغ الأخلاقي للعنف، ومن الناحية الثانية يعتمدون على القوة الصلبة واستعراضات القوة بالكمائن المسلحة وتصوير عمليات تصفية المتعاونين ضدهم مع كلٍّ من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والمصرية على حد سواء. أما البعد الثالث في استراتيجية “ولاية سيناء” المبايعة لتنظيم الدولة الإسلامية فهو السعي لاستمالة المحليين بتوزيع الأموال على الأكثر احتياجًا من بين المتضررين من العمليات العسكرية، فضلًا عن تجنيد عدد من المتمرسين في الاتِّجار بالبشر والتهريب مقابل الأموال. لا ينفي ذلك النقاء الأيديولوجي عند أكثرهم، لكن المحليين يعرفون بعض هؤلاء المهربين وتجار الأفارقة الذين صاروا في فترة قليلة من كوادر “ولاية سيناء” -“أنصار بيت المقدس” سابقًا- بل من قادتها المطلوبين الأشد خطرًا على السلطات(22).

.

على مستوى القدرات التسليحية والتنظيمية، فإن الشهور الخمسة عشر التي مضت منذ بدء المواجهات المفتوحة قد أثبتت أن “ولاية سيناء” لم تتأثر بمقتل قائدها ومؤسسها، توفيق محمد فريج، في مارس/آذار 2014، بل اكتسبت قدرات إضافية مستفيدة من صعود تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. تمدد التنظيم إلى وادي النيل، وصارت له عمليات نوعية بقيادة ضابط الصاعقة المتقاعد، المقدم هشام عشماوي، الذي قاد الهجوم على قوات الجيش بالقرب من واحة الفرافرة في يوليو/تموز الماضي 2014، حيث قضى تمامًا على قوة الوحدة العسكرية المرابطة هناك، في واحدة من أبعد المواضع عن سيناء، بالقرب من الحدود الليبية في الصحراء الغربية. وذلك بعد عدة عمليات استهدفت مقر المخابرات العسكرية في الإسماعيلية (أكتوبر/تشرين الأول 2013)، ومديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة (ديسمبر/كانون الأول 2013)، ومديرية أمن العاصمة بقلب القاهرة (يناير/كانون الثاني 2014). بعد أكثر من سنة من بدء الحرب، شنّ “الأنصار” -قبيل إعلانهم البيعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”- أكبر هجوم لهم على قوات الجيش في نقطة تفتيش “كرم القواديس” في الأسبوع الأخير من أكتوبر/تشرين الأول 2014، فقتلوا أكثر من ثلاثين جنديًّا وأصابوا عشرين آخرين. أظهر التسجيل المرئي “صولة الأنصار”، الذي بثوه على موقع يوتيوب(23)، تفوقهم الميداني على قوة الجيش، وقضاءهم وقتًا طويلًا في اغتنام كميات كبيرة من سلاح الجيش الخفيف والمتوسط والثقيل(24).

.

قبل هذه العملية بسنة تقريبًا، استهدف “الأنصار” حافلة لنقل الجنود على الطريق الدولي الساحلي بين مدينتي الشيخ زويد والعريش في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، فقتلوا وأصابوا أكثر من ثلاثين جنديًّا، وأجبروا قوات الجيش على التوقف عن نقل الجنود بريًّا، واستبدال الحافلات بالقوارب البحرية للجنود وصف الضباط، وبطائرات النقل العسكرية للضباط. لم تتوقف عملياتهم الناجحة التي لا يُعلن عن أغلبها، كما لم يتوقف وقوع قتلى في صفوفهم أثناء المواجهات مع الجيش. ومن اللافت عدم تراجع قدراتهم التنظيمية أو القتالية، مع غموض حول مصادر قوتهم التمويلية، وترجيح أن أعدادهم تُقدّر بالعشرات -لا الآلاف ولا المئات.

 .

مسارات محتملة في المستقبل القريب       

بإيجاز، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة قد يؤول إليها الصراع المسلح الجاري في سيناء في المستقبل القريب، وهي:

  • التفوق الميداني للجيش:

حيث تنجح سياسة القوة المفرطة والتضييق الأمني على منطقة الصراع في تقليل حركة الداخلين إليها والخارجين منها، ثم تتوالى التصفيات في صفوف قادة “ولاية سيناء” وكوادرها، سواء بالعمليات الخاصة أم في اشتباكات تقليدية، فيضعف التنظيم تدريجيًّا حتى يخفت وجوده. وهو مسار يراهن على فاعلية التطويق الجغرافي الخارجي المحكم، مع استمرار الانتشار النوعي داخل منطقة الصراع، وقبول بالخسائر المحتملة مهما زادت، ما يتطلب دعمًا شعبيًّا مستمرًّا مرتبطًا بتخفيف حدة الانتهاكات وتعويض المتضررين. وهو كذلك ليس مسارًا محليًّا في سيناء، بل مرتبط باستقرار الأوضاع الاجتماعية والسياسية في عموم مصر، وارتفاع الروح المعنوية للقوات.

 .

  • الانتصار النوعي لتنظيم “ولاية سيناء”:

أما المسار المحتمل المقابل فهو توسع تنظيم “ولاية سيناء” في بسط سيطرته على بعض المساحات التي تخضع له بالفعل الآن. الراجح أن التنظيم يعجز عن السيطرة على مساحات كبيرة في شمال سيناء؛ بسبب قلة أعداد صفوفه وانتماء الغالبية الغالبة منهم للثقافة البدوية المرفوضة بين عائلات العريش، حاضرة سيناء وذات الكثافة السكانية العالية مقارنة بالمنطقة الحدودية. لكن يمكن أن يسيطر التنظيم على مساحات كبيرة في محيط مدينتي الشيخ زويد ورفح -أو ما سيتبقى منها بعد التهجير القسري وإقامة المنطقة العازلة. ويرتبط هذا السيناريو بقدرة التنظيم على محاصرة قوات الجيش في معسكراتها، وتقليل حركتها الميدانية حتى تخفت وتفرغ له الساحة.

 .

  • المسار الهجين:

أما المسار الأكثر ترجيحًا فهو استمرار الوضع القائم لفترة ليست قصيرة، حيث لا يوجد منتصر ولا مجال لضربة قاضية. ومضمون هذا المسار هو استمرار الجيش في البطش بقوته المفرطة وعقوباته الجماعية العشوائية من دون محاسبة ولا مراجعة استراتيجية أو تكتيكية، مع استمرار تنظيم “ولاية سيناء” في الاشتباكات والسيطرة الميدانية غير المعلنة على بعض القرى جنوب الشيخ زويد. يعوّض الجيش ما يفقده من قوات ومعدات بمزيد من الإمدادات، من دون أي تقدم نوعي، إلا في مشروع المنطقة العازلة ذات الارتباط بالسياق الإقليمي أكثر من ارتباطها بالسياق المحلي/ الوطني. ويبدو أن تنظيم “ولاية سيناء” قادر كذلك على تعويض خسائره البشرية وفي العتاد، على الرغم من الغموض حول هذه القدرة، في الوقت الذي يعجز فيه عن تحويل حياد المجتمع المحلي إلى تأييد صريح له، كما يعجز عن بسط نفوذه على مساحات واسعة في شمال سيناء أو الإعلان عن المساحات التي يسيطر عليها؛ تجنبًا لحرب إبادة. تقود المؤشرات الحالية إلى ترجيح استمرار الوضع الراهن من دون حسم لفترة زمنية متوسطة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والهوامش:

1- فجر الاثنين الموافق 8 يوليو/تموز 2013 قامت قوات الجيش بقتل 61 شخصًا من مؤيدي الرئيس محمد مرسي المطالبين بعودته للحكم بعد انقلاب 3 يوليو/تموز، وذلك أثناء تجمهر المئات منهم أمام دار مناسبات تابعة للحرس الجمهوري قريبًا من اعتصام ميدان رابعة العدوية بشرق القاهرة؛ ظنًّا منهم أنه محتجز فيها. للمزيد: يمكن الاطلاع على تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش “حسب الخطة”، المنشور بتاريخ 12 أغسطس/آب 2014 على الرابط التالي:

http://www.hrw.org/ar/reports/2014/08/12

2- تصريح اللواء أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني، للمراسلين العسكريين المنشور بجريدة الأهرام بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين الأول 2013. يمكن الاطلاع عليه عبر الرابط:

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/235028.aspx

3- بيان المتحدث العسكري للقوات المسلحة على صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك”، 13 يناير/كانون الثاني 2015.

https://www.facebook.com/Egy.Army.Spox/posts/600343653429954

4- أحمد علي حسن، “اتفاقيتا كامب ديفيد ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وملحقاتها” (القاهرة: مكتبة الآداب، ط2، 2012).

5- إسماعيل الإسكندراني، “الحرب في سيناء: مكافحة إرهاب أم تحولات استراتيجية في التعاون والعداء؟“، مجلة سياسات عربية، العدد السادس، يناير/كانون الثاني 2014. يمكن الاطلاع عليها على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عبر الرابط:

http://www.dohainstitute.org/release/b6ba8f4c-62a9-4e60-973b-91b41e822270

6- ينص الملحق رقم (1) بمعاهدة السلام الخاص بالانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن على قصر نشر القوات في المنطقة (ج) الحدودية في سيناء على قوات الشرطة المدنية المسلحة تسليحًا خفيفًا وقوات الأمم المتحدة. لم ترسل الأمم المتحدة قوات لحفظ السلام من “ذوي القبعات الزرقاء”، بل تم تشكيل هيئة خاصة تسمى القوات متعددة الجنسيات والمراقبين، أو “ذوي القبعات البرتقالية” برئاسة أميركية لتتولى المهام المنوطة بقوات الأمم المتحدة وفق المعاهدة، كما تم تعديل المسموح بانتشاره في المنطقة (ج) لاحقًا.

7- للمزيد: إسماعيل الإسكندراني، سياسة المنطقة العازلة بين مصر وغزة. مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: موقع صدى، 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2014.

http://goo.gl/GwKHOV

8- وثق الباحث بنفسه مقتل 4 أطفال وامرأتين بقرية “اللفيتات” جنوب مدينة الشيخ زويد في الأسبوع الأول من انطلاق العمليات الموسعة في شمال سيناء في سبتمبر 2013، ثم تكررت هذه الحوادث عدة مرات في قرى “المقاطعة” و”المهدية” ومنطقة الكيلو 17. كما نشر المحليون العديد من مقاطع الفيديو التي توثق مقتل العديد من النساء والأطفال بالقصف العشوائي، إضافة إلى تواتر شهادات المحليين بالعثور على جثث لمفقودين كانوا مختفين قسرياً ثم وجدت جثامينهم وعليها آثار تعذيب أو تصفية بالرصاص في أراضٍ خلاء.

9- مشاهدة الباحث.

10- Egypt’s military confirms 10 Apaches delivered by US. Daily News Egypt, 20 December, 2014.

http://www.dailynewsegypt.com/2014/12/20/egypts-miltary-confirms-10-apaches-delivered-us/

11- في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بثت جماعة مسلحة أطلقت على نفسها “كتائب أبناء سيناء” تسجيلًا مرئيًّا على موقع يوتيوب، تدعو فيه للتصدي للجماعات الجهادية وتجاوزاتها في حق السكان المحليين، لكن ما لبث الجيش أن أعلن عن عدم ترحيبه بمثل هذه المبادرات، وتم حذف الفيديو.

12- شهدت سيناء نشاط العديد من الجماعات المسلحة متنوعة التوجهات، وصدر عما يمثل التوجه السلفي الجهادي وحده بيانات من ثلاث جماعات مختلفة، لكن هذا التنوع قد انزوى كثيرًا، بحيث خلت الساحة تقريبًا لجماعة “أنصار بيت المقدس” التي أعلنت بيعتها مؤخرًا لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وغيرت اسمها إلى “ولاية سيناء”.

13- الذكرى الحادية والثلاثين لانتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973.

14- الذكرى الثانية والخمسين لانقلاب يوليو/تموز 1952.

15- الذكرى الرابعة والعشرين لتحرير سيناء 1982.

16- اندمج تنظيم “التوحيد والجهاد” مع تنظيم سلفي جهادي آخر في دلتا وادي النيل، وغيّر اسمه قبل عام من مقتل مؤسسه إلى “القاعدة والجهاد”.

17- للمزيد: إسماعيل الإسكندراني، سيناء في ذكرى تحريرها: سيادة منقوصة وأجواء منتهكة وجنود مختطفون. موقع جدلية، 5 يونيو/حزيران 2013.

http://goo.gl/5cXBf

18- Ravid, Barak. Don’t cancel sale of Apaches to Egypt, Israel urgues U.S. Haartz, 19 March, 2014.

http://www.haaretz.com/mobile/.premium-1.580617?v=716A0C276EB0413454269D4A76727326

19- للمزيد: الإسكندراني، الحرب في سيناء: مكافحة إرهاب أم تحولات استراتيجية في التعاون والعداء؟، مرجع سابق.

20- يشيع في سيناء عدم التفرقة بين اليهود والصهاينة؛ بسبب الإرث الاستعماري في شبه الجزيرة الذي رسّخ الثنائية الدينية-القومية بين العرب واليهود.

21- معايشة الباحث الإثنوجرافية.

22- عدة مقابلات شخصية أجراها الباحث في الفترة من سبتمبر/أيلول إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

23- يعدّ “شادي المنيعي” المطلوب الأول من قادة “ولاية سيناء”، وقد أعلن الجيش عن مقتله عدة مرات، وبعد كل مرة يظهر في قريته أو يسجل فيديو مكشوف الوجه ليتحدى مثل هذه الأخبار. ومن المعروف جيدًا في المنطقة الحدودية أنه من كبار تجار الأفارقة، وأن معاونيه الذين انضموا للتنظيم معه، كانوا ممن يتلذذون بتعذيب الضحايا بأيديهم؛ سعيًا وراء أموال ذويهم لفديتهم.

24- تم رفع التسجيل وحذفه أكثر من مرة؛ بسبب انتهاكه لسياسة الموقع بإبراز مشاهد القتل وتصفية الجنود الواضحة.

25- كانت عملية “كرم القواديس” السبب المباشر في التعجيل بالشروع في إنشاء المنطقة العازلة بين سيناء وغزة؛ بدعوى الرئيس عبد الفتاح السيسي حل المشكلة من جذرها. بحسب دعوى الجيش، فإن غزة قد تحولت من وجهة لتهريب السلاح عبر سيناء إلى مصدر للسلاح المهرب من سيناء، وهو ما تم نقده وتفنيده في:

إسماعيل الإسكندراني، المنطقة العازلة في سيناء: مكافحة إرهاب أم إحكام لحصار غزة؟، منتدى العلاقات العربية والدولية، 3 ديسمبر/كانون الأول 2014.

http://fairforum.org/?p=2622

Posted by: Ismail Alexandrani | فبراير 15, 2015

هل أتاك حديث السجون السياسية؟

اسماعيل فتّاح الترك-العراق

السفير العربي

نص مقالي المنشور على موقع جريدة السفير العربي بتاريخ 12 فبراير 2015 على الرابط:

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=2722&refsite=arabi&reftype=articles&refzone=article

وذلك ضمن سلسلة مقالات ملف “في سبر أغوار سيناء” المجمعة على الرابط التالي:

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=2231

لا يُعدّ ما يُمارس اليوم في مصر، من حيث التوسع في الاعتقال أو التنكيل بالمعتقلين، جديداً على الإسلاميين. يمكن القول بأن الفكر التكفيري نشأ في مصر تحت وطأة التعذيب الشديد في السجون المصرية الذي نكّل بالإخوان المسلمين وكل مشتبه في قربه منهم في ستينيات القرن الفائت. وكان أحد أشهر مواقع التعذيب آنذاك “السجن الحربي” في شرق القاهرة (هدم لاحقاً)، الذي نفّذت مذبحة رابعة قريباً من موقعه. دفعت الضغوط النفسية التي كانت تمارسها سلطات السجون المعتقلين للاعتقاد بأن مثل هذه الإهانات لأفكارهم “الإسلامية” لا تصدر إلا من كافر بالإسلام. فماذا يعني هذا في الحاضر والمستقبل القريب؟

 .

من “التكفير والهجرة” إلى “التوحيد والجهاد”         

نتج عن هذه الفترة تحولان محوريان. التحول الأول كان عميقاً وممتد الأثر في كتابات سيد قطب، الذي كان أديباً مؤيداً لثورة يوليو 1952، ثم ما لبثت كتاباته أن تحولت من الفكر الإسلامي المسالم، على الرغم من تشدده، إلى التطرف في التنظير لتكفير المجتمع ووصفه بالجاهلية والدعوة للعزلة الشعورية عنه. أعاد سيد قطب كتابة تفسير بعض سور القرآن في كتابه الضخم الشهير “في ظلال القرآن”، في مستشفى السجن عقب اعتقاله الأول عام 1954، وختم حياته بكتاب “معالم في الطريق” الذي يعد مرجعاً ممتد المفعول زمنياً، ولا يزال مؤثراً في تشكيل أفكار الجهاديين حول العالم بعد نصف قرن من إعدامه في صيف 1966.

.

أما التحول الثاني فكان مداه أقصر زمناً وأقل عمقاً، لكنه أشد تطرفاً في الفكر والممارسة، وعلامة فارقة في تاريخ الحركات الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين. ففي سجون الستينيات، ظهر المدعو شكري مصطفى أمير “جماعة المسلمين”، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام “جماعة التكفير والهجرة”، خلفاً لمؤسسها علي إسماعيل، الذي تراجع عن أفكارها لاحقاً. كان الشيخ علي إسماعيل قد أسس الجماعة بإطار من الاستدلال الشرعي على أفكارها تحت صدمة إعدام أخيه، عبد الفتاح إسماعيل، مع سيد قطب وأربعة آخرين. تراجع علي إسماعيل عن اندفاعه في التكفير، لكن شكري مصطفى كان شاباً حديث السن قليل الحظ من العلم الشرعي، وقد صنعته ظروف السجن قائداً لما صار بعد خروجهم تنظيماً سرياً شديد التطرف والعنف. ثم تورط في اغتيال شخصيات إسلامية كبيرة، كالشيخ محمد الذهبي وزير الأوقاف المصري. انتهى أمره بالإعدام سنة 1978، بعد أن ترك بصمة حركية قوية في ميل الجماعات التكفيرية للعزلة الاجتماعية، والبحث عن نطاق جغرافي يكون تحت سيطرتهم الكاملة، فبقيت النزعة التكفيرية والميل للانعزال المكاني، من دون تنظير متماسك كالذي قدمه سيد قطب، وانزوت أفكارهم التي بلغت درجة تكفير أئمة المفسرين وأغلب علماء قرون صدر الإسلام.

.

على الرغم من إدراك السلطات المصرية لاحقاً لحقيقة ظهور الفكر القطبي والجماعة التكفيرية الأبرز بسبب الأخطاء المرتكبة في السجون، إلا أن ذلك لم يُستفد منه بشكل مؤسسي، ولم تستخلص منه ما يمكن وصفه بقواعد عامة أو خطوط لسياسة التعامل مع الإسلاميين داخل السجون. صحيحٌ أن إستراتيجية الاستثمار في فترة سجن الإسلاميين قد تطورت لاحقاً بما أنتج حالة نجاح في مراجعات جماعتي “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية”، إلا أن الأمر لم يتجاوز تجريب طريقة جديدة من دون الانتباه إلى عدم الوقوع في الأخطاء السابقة. ويؤكد ذلك تكرار حالة شكري مصطفى مع طبيب الأسنان خالد مساعد، الذي أسس تنظيم “التوحيد والجهاد” في سيناء، الذي كان بمثابة النواة الأولى لجماعة “أنصار بيت المقدس” (بايعت “داعش” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، وتحول اسمها إلى “ولاية سيناء” حالياً).

.

امتازت سيناء في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت باختفاء الأفكار الجهادية والتكفيرية، خلافاً لسائر محافظات وادي النيل التي شاعت فيها المواجهات بين قوات الأمن وبين الإرهابيين من أعضاء جماعتي “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية”. لم يكن لكلمة “الجهاد” في سيناء من مدلول سوى الحرب النظامية ضد إسرائيل، وتعاون الفدائيين من رجال سيناء والفدائيات من نسائها مع المخابرات الحربية المصرية في جمع المعلومات وتنفيذ العمليات ضد القوات الإسرائيلية أثناء الاحتلال. اقتصر وصف المنخرطين في أعمال جهادية بهذا المعنى على “مجاهدي سيناء”، الذين أُشهرت باسمهم جمعية أهلية مسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية (التضامن الاجتماعي لاحقاً)، وكان أغلب هؤلاء المجاهدين من الصوفيين أتباع الطريقة العلاوية الدرقوية الشاذلية. بخلاف هؤلاء المحاربين القدامى (المجاهدين الصوفيين)، لم تنتشر من أفكار الإسلاميين في سيناء سوى فرع ضعيف تنظيمياً من جماعة الإخوان المسلمين، وأفكار الدعوة السلفية بالإسكندرية، التي نقلها إلى سيناء وافدون من وادي النيل أو عائدون من الدراسة في الجامعات الحكومية من أبناء سيناء.

.

تم نقل ضابطين من جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً) من صعيد مصر للخدمة في شمال سيناء في منتصف التسعينيات، فاستنسخا معهما الأسلوب الذي كانت تتبعه وزارة الداخلية في حينها مع المشتبه بهم في الصعيد. وفّر الدعم الشعبي لأجهزة الدولة غطاءً اجتماعياً للأساليب الشرسة التي استخدمتها قوات الشرطة في الصعيد ضد أعضاء الجماعات الإرهابية، الذين لم يحظوا بالاحترام أو الاحتضان المجتمعي، لكن الأمر لم يكن كذلك في سيناء التي لم تشهد أية عملية إرهابية قبل 2004. توسع ضابطا أمن الدولة الجديدان في اعتقال المشتبه بهم، وتعمّدا تكديرهم والضغط على أسرهم بتوزيعهم على السجون النائية حول الجمهورية واستمرار نقلهم من أحدها إلى الآخر. وكان نتاج ذلك تعرف الشباب المبتدئين في الفكر السلفي على أساطين الفكر الجهادي والتكفيري من قادة الإرهابيين في السجون. وكان من بين هؤلاء الدكتور خالد مساعد، طبيب الأسنان الشاب ذي الأصل البدوي، الذي عرف بهدوئه ومسالمته وعمله الدؤوب في إحدى الجمعيات الأهلية الخيرية في مدينة العريش.

.

خرج خالد مساعد من السجن محملاً بأشد الأفكار الإرهابية تطرفاً، وأسس مع اثنين من رفاقه تنظيم “التوحيد والجهاد” في الفترة بين عامي 2000 و2003 مستندين إلى الكتاب الشهير “العمدة في إعداد العدة” لمنظر تنظيم القاعدة السابق سيد إمام الشريف. قام تنظيم “التوحيد والجهاد” بأولى العمليات الإرهابية التي عرفتها سيناء في تاريخها المعاصر، مستهدفاً المنتجعات السياحية التي يقصدها الإسرائيليون في توقيتات ذات دلالة وطنية مصرية: في 7 تشرين الاول/ أكتوبر 2004 (ذكرى انتصار 6 أكتوبر 1973)، وفي 23 تموز/ يوليو 2005 (ذكرى ثورة يوليو 1952)، وفي 24 نيسان/ أبريل 2006 (قبل يوم واحد من ذكرى تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي عام 1982). استهدف التنظيم منتجعات سياحية على خليج العقبة في جنوب سيناء، في طابا ونويبع، وشرم الشيخ، ودهب، على الترتيب. أسفرت الاعتداءات عن مقتل أكثر من 130 مصري وأجنبي وإصابة أكثر من 300 شخص، واعتمد المهاجمون على السيارات المفخخة والعبوات الناسفة.

.

قتل خالد مساعد واثنان من قادة التنظيم في مواجهات مع الشرطة في شمال سيناء في آب/ أغسطس 2005، ونجحت القبضة الأمنية الحديدية في القضاء مؤقتاً على خطورة التنظيم الذي تفكك وتشظّى من بقي من أفراده، فتوزعوا بين الكمون في القرى النائية في المنطقة الحدودية من شمال سيناء أو الهروب إلى غزة عبر الأنفاق. لم يذهب الهاربون بعيداً نحو وسط القطاع أو شماله، بل بقوا في جنوبه قريباً من عائلاتهم، أي في رفح الفلسطينية معقل الجهاديين التكفيريين.

.

في 2009، تصاعدت الأزمة بين حكومة حماس المسيطرة على القطاع وبين التكفيريين في رفح بقيادة عبد اللطيف موسى، وانتهت بمقتل الأخير وعدد من أتباعه داخل مسجد ابن تيمية القريب من الشريط الحدودي مع مصر. وهنا، بدأ الهروب العكسي للتكفيريين من غزة إلى المنطقة الحدودية من شمال سيناء. وفي الوقت الذي ظنت السلطات المصرية أنها قضت تماماً على الخطر الأيديولوجي المسلح في سيناء، كانت جماعة “أنصار بيت المقدس” تتشكل من بقايا “التوحيد والجهاد” (غيّر اسمه قبيل مقتل مؤسسه إلى “القاعدة والجهاد”) مستفيدين من خبرات قتالية وأمنية متقدمة حصل عليها أفرادهم الهاربون إلى غزة ممن حضروا الحرب في (2008 – 2009).

.

في صيف 2010، تم استهداف خط الغاز الطبيعي المصدّر إلى الأردن وإسرائيل في أول عملية للتنظيم الجديد، وهو ما تم الكشف عنه لاحقاً حينما استطاع التنظيم الإعلان عن نفسه في 2012، بعد أكثر من سنة من اندلاع الثورة، ثم تطورت الأمور حتى آلت لما هي عليه الآن.

 .

نجاح مراجعات “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية”

.

على النقيض من التجربتين سالفتيْ الذكر، فإن أسلوب التعامل مع قادة “الجماعة الإسلامية المصرية” وجماعة “الجهاد” في السجون قد كُلّل بنجاح نوعي. تحالفت الجماعتان في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، أي بعد القضاء على جماعة شكري مصطفى التكفيرية، وعملا معاً ضد أجهزة السلطة من دون تكفير للمجتمع. بلغت ذروة التعاون بينهما درجة نجاحهما في اختراق صفوف الجيش والمخابرات العسكرية واغتيال رئيس الجمهورية الأسبق، أنور السادات، في العام1981 بينما كان بين كبار رجاله في عرض عسكري أقيم للاحتفال بالذكرى الثامنة لانتصار أكتوبر.

.

لم تكن الجماعتان في هشاشة “جماعة المسلمين” (جماعة التكفير والهجرة) وضعفها، فاستمرت عملياتهما الإرهابية طيلة عقد الثمانينيات ومطلع التسعينيات. قتل منهم المئات واعتقل مئات آخرون، لكنهم انهزموا في النهاية بفضل الدعم الشعبي الكبير الذي ساند السلطات في حملتها عليهم، ونجحت الشرطة وحدها – على الرغم من تكرار رفض الجيش التدخل في الشأن الأمني المحلي – في القضاء عليهم، وتغافل المجتمع عن الانتهاكات، الكبيرة نوعاً والمحدودة جغرافياً، التي رآها ضرورية أو مبررة من أجل تحقيق ذلك الهدف.

.

بالتوازي مع الضربات الأمنية المتلاحقة، وُضع قادة الجماعات تحت ضغط نفسي وفكري كبير دفعهم لقبول فكرة المراجعات الفكرية، وقد ساعد في ذلك التحسن الكبير نسبياً في أحوال السجون مقارنةً بمقار الاعتقال والتحقيق. لم يكن غريباً أن تحدث انشقاقات بينهم وتخوين واتهامات في الولاء صادرة من الرافضين للمراجعات ضد من انخرطوا فيها، لكن المحصلة النهائية كانت نجاحاً في مشروع المراجعات، وإن كان لم يترجم لمصالحة مع الدولة. لم تأمن الأجهزة الأمنية لخروج المحكومين في قضايا “الجماعة الإسلامية” و”الجهاد”، فاستمر اعتقالهم عدة سنوات بعد انتهاء فترات عقوبتهم، لكنهم خرجوا في النهاية عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، حيث تم الإفراج عنهم تحت حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الفترة الانتقالية الأولى.

.

أثبتت التجربة العملية صدق المراجعات، حيث التزمت “الجماعة الإسلامية” وحزبها الناشئ عنها، “البناء والتنمية”، بالعمل السلمي، ولم ينخرطا في أعمال جنائية على الرغم من تحالفهما مع الإخوان المسلمين في السلطة وكذلك عقب عزل محمد مرسي. يأمن أعضاء الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية على أنفسهم من الملاحقة، حيث لا تعتبرهم حكومة عبد الفتاح السيسي خطراً، على الرغم من توسعها في سياسة استئصال حركات الإسلام السياسي. وقد بلغ الأمر ببعض رموز حركة الجهاد المصرية درجة تحولهم إلى كتاب رأي وضيوف في وسائل الإعلام المؤيدة للسلطة القائمة، بل يقومون بدور كبير في المناظرة ومجادلة الإسلاميين.

.

منذ صيف 2013، تتواتر شهادات المفرَج عنهم وأهالي السجناء العائدين من الزيارات الدورية على انتشار الفكر التكفيري والانبهار بتنظيم “داعش” بين صفوف الشباب المسجونين الآن، ما يرجّح أن النظام الحالي في طريقه لإعادة إنتاج المئات من شكري مصطفى وخالد مساعد…

Posted by: Ismail Alexandrani | يناير 30, 2015

مستقبل الجماعات الجهادية في سيناء في 2015

شادي المنيعي أحد القادة المحليين لجماعة "أنصار بيت المقدس" - "ولاية سيناء" حالياً

شادي المنيعي أحد القادة المحليين لجماعة “أنصار بيت المقدس” – “ولاية سيناء” حالياً

النص العربي لمقالي المنشور بالفرنسية في جريدة الأهرام ابدو عدد رأس السنة 31 ديسمبر 2014، ثم أعيد نشره على الموقع الإلكتروني يوم الأربعاء 14 يناير 2015 على الرابط التالي:

http://hebdo.ahram.org.eg/NewsContent/1058/4/132/9182/L%E2%80%99avenir–des-djihadistes-du-Sina%C3%AF.aspx

في مثل هذه الأيام من العام الماضي كانت جماعة “أنصار بيت المقدس” الناشئة في سيناء قد نجحت في عملية استهداف مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة في قلب دلتا وادي النيل في ديسمبر 2013، وكانت في طريقها لتنفيذ ثلاث عمليات نوعية في شهر يناير 2014. استهلّ “الأنصار” سنة 2014 في شهرها الأول بثلاثة عمليات؛ وهي: إطلاق عدة صواريخ جراد من سيناء على مدينة إيلات الإسرائيلية، وإسقاط مروحية مقاتلة في شمال سيناء لأول مرة في التاريخ العسكري المصري على يد ميليشيا، واستهداف مديرية أمن العاصمة في حي باب الخلق في قلب القاهرة. كان التحدي سمةً واضحةً في عمليات “الأنصار”؛ سواءً تحدّي الأهداف الأمنية الإقليمية من العمليات العسكرية الموسعة التي بدأها الجيش المصري ضدهم في 7 سبتمبر 2013 أم تحدّي التحذيرات الأمنية المحلية التي وجّهها وزير الداخلية قبيل حلول ذكرى ثورة 25 يناير بعبارته الشهيرة “اللي عايز يجرب يقرب”.

.

لم تتوقف الاشتباكات والمعارك شبه اليومية بين الجيش وبين جماعة “أنصار بيت المقدس” في سيناء، لكن التغطية الإعلامية لم تتناول سوى العمليات الكبيرة فقط وبعض ما سمحت السلطات بتداوله من أخبار. في فبراير، استهدفت الجماعة حافلة سياحية في جنوب سيناء فقتلت وأصابت العشرات من السياح الكوريين. وفي مارس، نشروا بياناً لنعي قائدهم، توفيق محمد فريج، في إحدى المعارك المسلحة مع قوات الجيش. لكن ذلك لم يؤثر في تنامي قدرات التنظيم الذي توسعت عملياته جغرافياً حتى بلغت واحة الفرافرة في الصحراء الغربية، والساحل الشمالي بين الإسكندرية ومطروح، في أقصى الشمال الغربي من مصر. وأخيراً، اختُتمت السنة بإعلان “الأنصار” البيعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصارًا باسم “داعش”، بعد أيام من تنفيذ أضخم عملياتهم ضد القوات النظامية المصرية في نقطة تفتيش “كرم القواديس” في الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء في الأسبوع الأخير من أكتوبر.

.

يضاف إلى اطّراد عملياتهم ما تناقلته التقارير الصحفية بعد عملية دمياط البحرية عن انخراط ضباط جيش، سابقين وعاملين، في صفوف مَنْ أصبحوا “ولاية سيناء” التابعة لداعش. وهو تطور خطير لم يصدر عن السلطات أي نفي له، وتؤكده تحليلات الخبراء الذين يرون في أدائهم جمعاً بين خبرات القوات النظامية جنباً إلى جنب مع تكتيكات حروب العصابات والميليشيات. وفي حين تؤكد المصادر الأمنية نجاح الأجهزة الاستخباراتية في إحباط عدة عمليات كبيرة لهم في القاهرة وبعض المدن الأخرى ذات الكثافة السكانية العالية من دون إعلان عن أي من تلك الضربات الاستباقية، يظل الأداء الإعلامي لأجهزة الدولة أضعف بكثيرٍ من التوثيق المرئي الذي يقدمه تنظيم “ولاية سيناء” في إصداراته التي يعلن فيها مسؤوليته عن عملياته الناجحة.

.

يمكن تلخيص استشراف مستقبل الجماعات الجهادية في سيناء في 2015 في مربع له أربعة أضلاع؛ أولها دلالات إعلان “الأنصار” بيعتهم لداعش وآثارها المحتملة، وثانيها هو قدرة تنظيم “ولاية سيناء” على الحشد والتعبئة في سيناء وخارجها، وثالثها هو الصراعات الجهادية – الجهادية بين الأطياف المختلفة ضمن النسق الأيديولوجي الجهادي ذاته، وأخيراً مدى الرهان على نجاح الخطط الأمنية الجارية في مواجهة تلك التنظيمات جميعاً.

.

أما بخصوص بيعة “الأنصار” لداعش، فقد أعلن عنها في مطلع نوفمبر الماضي ثم نُفيت فوراً قبل أن يعاد الإعلان عنها في الأسبوع التالي، وهو ما ذهبت التحليلات المبنية على تصريحات مصادر جهادية إلى ترجيح وجود خلاف على توقيت الإعلان بين قيادة “داعش” في العراق وبين فرعهم الجديد في مصر بسبب تأخر حسم الاتفاق على الدعم المالي والبشري. وتؤكد مصادر مقربة من التنظيم في مصر أن عدداً كبيراً من الشباب المصريين قاتلوا بالفعل في صفوف “جبهة النصرة” في سوريا ثم “داعش” لاحقاً، وأن الاتصال بين الجهاديين في مصر وبينهم لم ينقطع طيلة السنتين الأخيرتين. ولعل القرار الإداري الأخير الذي اتخذته وزارة الداخلية بتقييد سفر المصريين الذكور بين 18 و40 عاماً إلى كل من تركيا وليبيا يؤكد ما يتداوله المقربون من الأوساط الجهادية عن تدفق العناصر المقاتلة والمسؤولة تنظيمياً بين مصر وبين سوريا والعراق عبر التأشيرات السياحية إلى تركيا. على ضوء الطفرة الاقتصادية التي شهدتها موارد تنظيم “داعش” بسيطرته على بعض الآبار الغنية بالنفط الخام واستيلائه على أموال المحافظات والمدن التي سيطر عليها، فإن ضخ الدعم المالي لفرع التنظيم في مصر، “ولاية سيناء”، لن يكون مستغرباً. وكذلك الأمر بخصوص الدعم الفني والقتالي بالخبرات المتقدمة في المعارك والتفجيرات.

.

من المتوقع أن تتوسع عمليات فرع “داعش” في مصر، بالأخص في وادي النيل، وقد تشمل استهداف المصالح الدبلوماسية والتجارية للدول المشاركة في تحالف الحرب على داعش. هذا التوسع يهدف إلى هدفين مهمّيْن؛ تخفيف الضغط الأمني على التنظيم في سيناء، وتعبئة أعضاء جدد يحتمل انجذابهم إلى التنظيم كلما رسّخ حضوره كتنظيم ذي عمليات مؤثرة وخطاب أيديولوجي يداعب مشاعر الشباب الغاضبين من الإسلاميين. أما تعبئة صفوفهم داخل سيناء نفسها فهم يواجهون فيها عقبات عديدة، أولها لفظ المجتمع المحلي لهم، وهو أمر واقع على غير الشائع في الحديث عن الحاضنة الاجتماعية المزعومة لهم في سيناء. من خلال الاستقصاء الميداني ومقابلة عشرات السكان المحليين، فإن النتيجة التي وصلت إليها أن أغلب السكان متضررون من انتهاكات طرفي الحرب، ورغم ذلك فإن غالبيتهم لا تستجيب لدعوات الحشد وكسب التأييد التي يطلقها الجهاديون مستغلين الانتهاكات التي تقع فيها قوات الجيش والشرطة، كما أقر بذلك الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه ووعد الضحايا بتعويضات.

.

يؤكد المحليون أن مجموعات الجهاديين صغيرة الأعداد، وأن نسبةً لا يستهان بها منهم هم من المرتزقة الذين يتحركون تبعاً لحركة الأموال من دون أي اكتراث بخطاب أيديولوجي أو ممارسات التدين، بل إن عدداً من قادتهم معروفون بتورطهم في الاتجار بالبشر وتعذيب ضحاياهم من الأفارقة بخلاف ضلوعهم في أعمال التهريب وتكوين ثروات من ورائه. لا ينفي ذلك وجود عشرات من المؤدلجين في صفوفهم، لكنه يضع حاجزاً معنوياً وأخلاقياً كبيراً بين أغلب السكان المحليين وبين الانخراط في صفوفهم مهما كانت درجة الحنق والغضب من تجاوزات القوات النظامية.

.

أما عن الصراعات الجهادية – الجهادية، فيبدو أن النزاع بين “القاعدة” و”جبهة النصرة” من ناحية وبين “داعش” من الناحية المقابلة لا يزال ممتداً ومؤثراً في المشهد الجهادي في سيناء. فمنذ أيام قليلة صدر بيان عن تنظيم جهادي جديد يسمّى نفسه “كتيبة الرباط” يحاول كسر احتكار “أنصار بيت المقدس” – سابقاً – أو “ولاية سيناء” – حالياً – للنشاط الجهادي في سيناء. تميّز بيان “كتيبة الرباط” بعدم الصدام مع “ولاية سيناء” وعدم تكفير الجيش المصري أو اتهامه بالردة، واختتم بالتحذير من الفتن مشيرين إلى ما يسمّيه الجهاديون “فتنة الشام”، أي الصراع بين “داعش” و”القاعدة”. لذلك، فإن من المتوقع أن تستمر الصراعات الجهادية – الجهادية في سيناء، بالتوازي مع التنافس المحموم بين “أجناد مصر” وفرع “ولاية سيناء” في وادي النيل لإثبات الكفاءة في عمليات القاهرة والدلتا.

.

أخيراً، يبقى السؤال الملحّ حول كفاءة السياسات الأمنية الجارية في تحقيق أهدافها. ويبدو أن مرور الوقت وزيادة التشديد في الإجراءات الأمنية، منذ إغلاق جسر السلام الواصل بين ضفتيْ قناة السويس في 30 يونيو 2013 وحتى خطة التهجير القسري للأحياء السكنية المتاخمة للشريط الحدودي في رفح وفرض حالة الطواريء الجزئية المؤقتة، لم يؤثر في وجود التنظيمات الجهادية ولا في عنف عملياتهم. تتكرر النداءات التي تدعو سلطات الدولة إلى احتواء الاحتقان الشعبي في سيناء ووقف الخسارة المستمرة للدعم المجتمعي للعمليات الأمنية، وتتجاوب تصريحات بعض المسؤوليين العسكريين لهذه النداءات، إلا أن تنفيذ تلك الوعود لا يزال متعثراً بسبب تضارب الصلاحيات البيروقراطية في شقّيْها العسكري والمدني.

.

 في التاسع والعشرين من أكتوبر 2014، شرعت مصر في خلق منطقة عازلة على الخط الفاصل بين شطري مدينة رفح لعزل قطاع غزة عن نقاط الاتصال بسيناء عن طريق الأنفاق، وهي خطة تطلبت التهجير القسري لأكثر من 1150 أسرة وتدمير 802 منزل، طبقًا للإحصاءات الرسمية. بالإضافة إلى خرق الدستور والخسائر الاجتماعية والاقتصادية، تبدو في الأفق لعبة سياسية مدبّرة بعناية لتحويل أهداف تلك الخطوة لتكون أهدافًا قومية مصرية في مواجهة خطر محلي، لتبرير قسوة تدخل الدولة ضد مواطنيها. يحاول المسار الزمني أدناه أن يفسّر كيف بدأت فكرة المنطقة العازلة كاقتراح أمريكي إسرائيلي، وأخيرًا تم تنفيذها كقرار يخص الأمن القومي المصري.

يقدم هذا الإنفوجراف عرضاً للتسلسل الزمني لأزمة رفح منذ عام 1982، وهو من تصميم موقع نون بوست ومنشور بتاريخ 5 ديسمبر 2014 على الرابط:

http://www.noonpost.net/content/4575

التسلسل الزمني لأزمة رفح

تدمير رفح المصرية من أجل إنشاء المنطقة العازلة - الصورة من الإنترنت

تدمير رفح المصرية من أجل إنشاء المنطقة العازلة – الصورة من الإنترنت

الترجمة العربية المنشورة على موقع نون بوست بتاريخ 5 ديسمبر 2014 على الرابط (http://www.noonpost.net/node/4576)

عن مقالي الأصلي المنشور بالإنجليزية على موقع كومنت ميدل إيست بتاريخ 27 نوفمبر 2014 على الرابط

(http://www.commentmideast.com/2014/11/sinai-buffer-zone-timeline-threat-transformation/)

في التاسع والعشرين من أكتوبر 2014، شرعت مصر في خلق منطقة عازلة على الخط الفاصل بين شطري مدينة رفح لعزل قطاع غزة عن نقاط الاتصال بسيناء عن طريق الأنفاق، وهي خطة تطلبت التهجير القسري لأكثر من 1150 أسرة وتدمير 802 منزل، طبقًا للإحصاءات الرسمية. بالإضافة إلى خرق الدستور والخسائر الاجتماعية والاقتصادية، تبدو في الأفق لعبة سياسية مدبّرة بعناية لتحويل أهداف تلك الخطوة لتكون أهدافًا قومية مصرية في مواجهة خطر محلي، لتبرير قسوة تدخل الدولة ضد مواطنيها. يحاول المسار الزمني أدناه أن يفسّر كيف بدأت فكرة المنطقة العازلة كاقتراح أمريكي إسرائيلي، وأخيرًا تم تنفيذها كقرار يخص الأمن القومي المصري.

.

للاطلاع على إنفوجرافيك يوضح النقاط الرئيسية للخط الزمني التالي، يمكنك الضغط هنا: إنفوجرافيك: كيف تحول الهدف الإسرائيلي في سيناء إلى مطلب مصري؟

.

أبريل 1982 

الاحتلال الإسرائيلي ينسحب من المنطقة ج بسيناء حيث تنقسم رفح إلى القسمين المعروفين حاليًا طبقًا للحدود الدولية التاريخية.

المصدر: حدث معروف

 

أواخر التسعينيات

الجيش المصري يبدأ مشروعًا سريًا لحفر أنفاق محدودة العدد مع غزة، والتي كانت آنذاك تحت قيادة ياسر عرفات وحركة فتح. تم المشروع تحت إشراف اللواء مجدي حتاتة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة.

المصدر: جنود سابقون خدموا في مشروع نفذه سلاح المهندسين بالقوات المسلحة

 

2005

إسرائيل تنسحب بشكل أحادي من قطاع غزة بعد توقيع اتفاقية المعابر.

الفلسطينيون يقتحمون الحدود المصرية هربًا من شبح المجاعة.

المصدر: أحداث معروفة

 

السلطات المصرية تُعلي من جدارها الحدودي بعد انسحاب الفلسطينيين، وقد كان السور العازل في السابق مجرد أسلاك شائكة ثم أصبح حائطًا من الطوب وفوقه أسلاك شائكة.

المصدر: مقابلات شخصية مع سكان محليين عبروا الحدود بشكل غير رسمي لزيارة أهاليهم ومتابعة أعمالهم التجارية في الجانب الفلسطيني

 

2006

حماس تفوز بالاتخابات البرلمانية الفلسطينية.

المصدر: حدث معروف

 

2007-2009

حماس تسيطر على قطاع غزة بعد مواجهات دموية مع فتح.

الحصار على غزة يشتد من الجانبين الإسرائيلي والمصري.

الاجتياح المدني السلمي الثاني من الجانب الفلسطيني بعد تشديد الحصار على غزة.

تحريض غير مسبوق على الفلسطينيين من السلطات المصرية والإعلام الموالي لها.

المصدر: أحداث معروفة

2007- 2009  

المخابرات العامة تحت قيادة اللواء عمر سليمان تعطي الضوء الأخضر للاعتماد على الأنفاق في تجنب أزمة إنسانية في غزة، وكذلك من أجل تجنب اجتياح جماهيري ثالث للحدود. حدثت طفرة في أعداد الأنفاق، ونشب صراع بين دوائر الفساد في أجهزة الأمن حول العمولات وسلطة إدارة الأنفاق.

المصدر: مقابلات شخصية مع بعض تجار الأنفاق وسكان رفح، بعضهم شهود عيان للأحداث، أو تربطهم صلة قرابة بمن ضلعوا في الأحداث، والبعض كانت له مبادرات لاحتواء الأزمة الاجتماعية الاقتصادية المتصاعدة جراء نمو الأنفاق، شملت لقاء عدة قيادات استخباراتية  

2009

مباشرة عقب الحرب على غزة (2008 – 2009)، تعهدت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية بالعمل المشترك مع حلفائهم الإقليميين (مصر) لمكافحة تهريب الأسلحة إلى غزة. بعد شهور قليلة، خصص الكونجرس الأمريكي 50 مليون دولار لتحسين الإجراءات الأمنية على الحدود مع غزة.

المصدر:

مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية حول منع تهريب السلاح إلى غزة الموقعة في 16 يناير 2009 – التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2009

2009 – 2010  

مصر تحارب التهريب عبر الأنفاق باستخدام وسائل عنيفة ومميتة دون إنذار مُسبَق (الردم، التفجير، الغازات الخانقة، إلخ)

شخصيات مصرية بارزة تدافع عن خطة تأسيس جدار فولاذي تحت الأرض لسد الأنفاق (ومنها عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية آنذاك)

المصدر: التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2009، و 2010

 

فبراير 2011 – يونيو 2013

طفرة في اقتصاد الأنفاق وازدهار في تجارتها، الفتحات تنتشر في كل مكان، تطويرات نوعية في سعة الأنفاق وحجمها حتى صارت ممراً لبضائع كبيرة الحجم مثل السيارات والأسلحة الثقيلة المهربة من ليبيا والبحر الأحمر، انكماش العمولات المدفوعة للضباط الفاسدين في الأجهزة الأمنية بسبب الانفلات الأمني واختفاء الشرطة المدنية.

نشاط جهادي مكثف في شمال سيناء يهاجم المصالح الإسرائيلية مثل خط أنابيب الغاز، وأهداف عسكرية أخرى عبر الحدود. مجموعتان سلفيتان جهاديتان تعلنان عن مسؤوليتهما: أنصار بيت المقدس ومجلس شورى مجاهدي في أكناف بيت المقدس.

المصدر: مقابلات مع السكان المحليين ومشاهدات الباحث

6 أغسطس 2012

مذبحة رفح الأولى: مقتل 16 جندي في معسكر حدودي بعد شهرين من تنصيب محمد مرسي رئيسًا للجمهورية، وهو ما تبعه الجيش المصري بالعملية نسر 2 في سيناء ضد الجهاديين. حتى الآن لم توجه السلطات اتهامًا رسميًا لأحد، ولم تنعقد أية محاكمة.

المصدر: حدث معروف

11 سبتمبر 2012

أنصار بيت المقدس تنشر فيديو يوثق هجومها على أهداف إسرائيلية عبر الحدود، وتنكر مسؤوليتها عن مذبحة رفح الأولى مع إشارة لاعتبارهم للمجندين إجبارياً “مسلمين”.

المصدر: يوتيوب

 

مايو 2013

خطف 7 جنود في سيناء للتفاوض حول إطلاق سراح قيادات جهادية، والاستخبارات العسكرية تنجح في إطلاق سراحهم دون صدامات عنيفة.

المصدر: حدث معروف وتحقيق ميداني

 

 

30 يونيو 2013 – 3 يوليو 2013

تظاهرات كبيرة ضد حكم الإخوان المسلمين تبعه انقلاب عسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع.

المصدر: حدث معروف

5 يوليو 2013

مظاهرة ومؤتمر مسلح من جهاديين في مدينة الشيخ زويد ضد الانقلاب، وتهديدهم بشن حرب مفتوحة على الدولة إذا ما سعى الجيش لإعادة قمع النظام القديم.

المصدر: مقابلة مع أحد الحضور

8 يوليو 2013

مذبحة ضد المتظاهرين الإسلاميين أمام دار الحرس الجمهوري في مدينة نصر، ورواية الإسلاميين تؤكد أن إطلاق النار بدأ أثناء صلاة الفجر.

المصدر: هيومان رايتش ووتش

27 يوليو 2013

مذبحة أخرى ضد المتظاهرين الإسلاميين بالقُرب من ميدان رابعة العدوية (مذبحة المنصة / النصب التذكاري)

المصدر: هيومان رايتش ووتش

 

27 يوليو 2013

أنصار بيت المقدس تعتبر المذبحتين حربًا على المسلمين الصائمين الساجدين في شهر رمضان، وتبدأ استهداف الجيش المصري لأول مرة، مع تحوّل أيديولوجي لعد استتثناء المجندين إجبارياً من عملياتها بعد أن اعتبرت الجيش بالكامل “كافرًا”.

المصدر: بيانات أنصار بيت المقدس

 

9 أغسطس 2013

طائرات إسرائيلية بدون طيار تقصف خمسة جهاديين قبل إطلاقهم لثلاثة صوارخ أرض-أرض من سيناء جنوب رفح

المصدر: أسوشييتد برِس

 

 

 

10 أغسطس 2013

غارة جوية من الجيش المصري تقصف قريتين، والجيش يدّعي استكمال عملية بدأها قبلها بيوم لنفي اختراق إسرائيل للسيادة المصرية الجوية. كانت هذه أول مواجهة بين الجيش و”أنصار بيت المقدس” بعد الانقلاب.

المصدر: الصفحة الرسمية للمتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة على موقع فيسبوك

 

14 أغسطس 2013

المذبحة الأكبر ضد المحتجين الإسلاميين في اعتصام رابعة العدوية

المصدر: حدث معروف

19 أغسطس 2013

مذبحة رفح 2: مقتل 25 جنديًا كانوا في طريقهم لمعسكر رفح، بسبب خطأ أمني فادح. تجري حاليًا محاكمة المتهمين رسميًا من الجهاديين.

المصدر: حدث معروف

4 سبتمبر 2013

محاولة فالشة لاغتيال وزير الداخلية المصري

المصدر: حدث معروف

7 ستمبر 2013

بداية الحرب المفتوحة على الجماعات المسلحة في سيناء، مع قطع كافة شبكات الاتصالات يومياً وحظر التجول ليلًا. الحرب لا تزال جارية من دون أي تقدم، إلا من تطوير تنظيم “أنصار بيت المقدس” لهجماتهم، وزيادة الضحايا المدنيين المقتولين والمصابين والمعتقلين والمعذبين والمختطفين قسرًا في عمليات العقاب الجماعي العشوائي.

المصدر: استقصاء ميداني

 

11 سبتمبر 2013

“أنصار بيت المقدس” تنشر فيديو يُظهر وساطتهم لإطلاق سراح الجنود المختطفين بسلام قبل ستة أشهر.

المصدر: يوتيوب

11 سبتمبر 2013

هجوم ضخم على مكتب المخابرات العسكرية في رفح نفّذته جماعة غزّاوية تدعى “جيش الإسلام”.

المصدر: حدث معروف

 

13 سبتمبر 2013

أول مذبحة غير مقصودة عن طريق القصف العشوائي للجيش تقتل 4 أطفال وامرأتين في قرية “اللفيتات” جنوب مدينة الشيخ الزويد (على بعد 15 كيلومتر من الشريط الحدود).

المصدر: استقصاء ميداني

 

أكتوبر ونوفمبر 2013

تفجير انتحاري يستهدف مديرية أمن جنوب سيناء في مدينة الطور.

هجوم على مقر المخابرات العسكرية في مدينة الإسماعيلية على الضفة الغربية من قناة السويس (خارج سيناء).

هجوم كبير على حافلة جنود يقتل 10 ويصيب العشرات بين العريش والشيخ زويد.

المصدر: أحداث معروفة

ديسمبر 2013

تفجير يستهدف مديرية الأمن في محافظة الدقهلية بمدينة المنصورة، وسط الدلتا.

المصدر: حدث معروف

 

يناير 2014

هجوم على إيلات بصواريخ جراد يتحدّى الأهداف الأمنية الإقليمية للعمليات العسكرية في سيناء، التي بدأت قبل 4 شهور.

تفجير ضخم يستهدف مديرية أمن العاصمة في قلب القاهرة في ذكرى ثورة 25 يناير، بعد يوم واحد من تحذيرات الداخلية شديدة اللهجة.

المصدر: أحداث معروفة

 

“أنصار بيت المقدس” تسقط مروحية مقاتلة تابعة للجيش بصاروخ حراري محمول، وهو أول هجوم تاريخي تنفذه ميليشيا في مصر.

المصدر: يوتيوب

 

فبراير 2014

هجوم إرهابي على حافلة سياح في جنوب سيناء كانت تقل كوريين من المرجح أن يكون قد اشتُبه في كونهم إسرائيليين لأن برنامجهم شمل زيارات على كلا الجانبين.

المصدر: حدث معروف

 

مارس 2014

مقتل قائد “أنصار بيت المقدس” في مواجهات مع القوات المسلحة

المصدر: نعي رسمي من أنصار بيت المقدس 

يوليو 2014

هجوم نوعي على معسكر للجيش قرب واحة الفرافرة في أقصى غرب البلاد (في واحدة من أبعد النقاط عن سيناء)، أدى لمقتل وإصابة قوة المعسكر بالكامل.

المصدر: حدث معروف

 

هجوم على سيارة شرطة في مطروح على الساحل اشمالي الغربي (واحدة من أبعد المناطق عن سيناء أيضاً). قتل في الهجوم ضابط متوسط الرتبة وخمسة عساكر.

المصدر:  يوتيوب

 

سبتمبر 2014

عملية ناجحة نفذتها قوات مشتركة من الجيش والشرطة ضد معسكر لتنظيم “أنصار بيت المقدس” بين القاهرة والسويس، قتل فيها خمسة جهاديين، لكن قائدهم، ضابط الصاعقة السابق، نجا من العملية.

المصدر: بيانات وفيديو حكومي

 

24 أكتوبر 2014

هجوم ضخم على نقطة تفتيش “كرم القواديس” شرقي العريش (على مسافة 35 كيلومتر من الشريط الحدودي). قتل في الهجوم 31 ضابط وجندي، وأصيب عشرون، منهم قيادتان كبيرتان في الجيش الثاني الميداني.

المصدر: حدث معروف

 

 

25 أكتوبر 2014

المجلس الأعلى للقوات المسلحة يعقد اجتماعًا طارئًا، ويعلن حالة الطوارئ في العريش والشيخ زويد ورفح، ويقنن حظر التجوال، مع إشارة رسمية لقرار جذري يجري اتخاذه بخصوص الشريط الحدودي مع قطاع غزة باعتباره مصدر للعمليات الإرهابية، وغلق معبر رفح لأجل غير مسمى.

المصدر: خطاب السيسي بعد اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة

29 أكتوبر 2014

بداية التهجير القسري لأكثر من 1150 أسرة كانت تعيش لعقود متعاقبة بحذا الشريط الحدودي في مساحة طولها 14 كيلومتر وعرضها 500 متر. تم التهجير دون خطة إخلاء وتحت التهديد بهدم المنازل فوق رؤوس أصحابها إذا لم يتركوها. لم تقدم لهم المساعدة بأي شكل، كما لم يحدث أي تحكم في أسعار الخدمات أو تنظيم خدمة النقل والمواصلات.

المصدر: حدث معروف

 

31 أكتوبر 2014

سقوط صاروخين على إسرائيل من غزة، لم يسفرا عن وقوع أي ضرر، وغلق معبري “إيريز” (بيت حانون) وكرم سالم لأجل غير مسمى، لتصبح غزة معزولة بالكامل عن العالم الخارجي.

المصدر: الصحافة الإسرائيلية

 

نوفمبر 2014

أنصار بيت المقدس تعلن رسميًا بيعتها للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

المصدر: حدث معروف

 

عملية بحرية غير مسبوقة لأنصار بيت المقدس (ولاية سيناء) أمام ساحل دمياط، بقيادة ضابط بحرية متمرد انضم للتنظيم. حاول الضابط المنشق خطف لنش مقاتل بعد قتل طاقمه بمشاركة أعضاء من “أنصار بيت المقدس” / ولاية سيناء التابعة لداعش. تم إجهاض العملية بمقاتلات جوية من طراز طيارات (إف 16) بعد تبادل إطلاق النار بحري، وقبل مهاجمة قارب كان يقل جنودًا لسيناء تفاديًا للطرق البرية الملغومة بالعبوات الناسفة.

المصدر: موقع المُدن والصحافة المصرية

أنصار بيت المقدس تبث فيديو صادم يؤكد اسمها الجديد، “ولاية سيناء” التابعة لتنظيم “داعش”. يوثّق الفيديو هجوم “كرم القواديس” حيث أمضى المهاجمون وقتًا طويلًا في جمع غنائم ضخمة من أسلحة الجيش المتنوعة، ويظهر عدم وجود علاقة بين تسليحهم والتهريب عبر الأنفاق.

المصدر: يوتيوب

 

الصحافة المصرية تنشر تصريحات لقيادات عسكرية تعلن عن المرحلة الثانية من إنشاء المنطقة العازلة، حيث ستمتد لألف متر من الشريط الحدودي (ضعف مساحة المرحلة الأولى).

المصدر: الصحافة المصرية

 —-

باختصار، يتم تدمير الأنفاق التي استُخدِمَت لتهريب البضائع والأسلحة إلى غزة عبر سيناء، والمنطقة العازلة بين شطري رفح يجري إنشاؤها. يقتنع الرأي العام في مصر بأن هذا ضروري للأمن القومي، ولا أحد يراه في سياقه الإقليمي كخطة أمريكية إسرائيلية مورست الضغوط على مبارك من قبل لتنفيذها.

المنطقة العازلة التي يجري العمل على إنشائها في الجانب المصري من منطقة رفح الحدودية سوف تزيد من حدة المظالم الاجتماعية التي تقع في صلب العنف في سيناء.

مقال تقدير الموقف المنشور في منتدى العلاقات العربية والدولية بتاريخ 3 ديسمبر 2014 على الرابط التالي:

http://fairforum.org/?p=2622

يمكن أن تــُرَى التطورات المتلاحقة في الأسابيع القليلة الأخيرة بأكثر من طريقة. فالنظرة المصرية المفرطة في مركزيتها الوطنية ترى تسلسل الأحداث وقد بدأ بوقوع هجوم نوعي على نقطة تفتيش عسكرية في “كرم القواديس” جنوب شرقي العريش في 24 أكتوبر / تشرين أول المنصرم، أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من خمسين جندياً، ثم أُعلنت حالة الطوارئ في الشمال الشرقي من سيناء، وتم تهجير المنطقة السكنية المتاخمة للشريط الحدودي في مدينة رفح لإقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة، الذي وجّه له الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصابع الاتهام بكونه جذر المشكلات الأمنية في سيناء[1]. كما ظهرت جماعة عشائرية مسلحة تدعى “حركة أبناء سيناء” لتعلن الحرب على جماعة “أنصار بيت المقدس”، تلك التي نفت خبر مبايعتها لتنظيم “داعش” بنصٍ متناقض أيديولوجياً ينفي البيعة ويعترف بالبغدادي خليفة للمسلمين[2]، ثم عادت بعد أسبوع لتعلن البيعة رسمياً في مقطع صوتي بلسان متحدثها الإعلامي[3]، ثم أصدروا تسجيلاً مرئياً[4] مفزعاً يوثّقون فيه عملية “كرم القواديس” تحت اسم “ولاية سيناء” في تنظيم “الدولة الإسلامية”. هكذا يرى المتابعون للشأن المصري التطورات الدراماتيكية في المشهد الأمني والسياسي، وهي رؤية لا تخلو من مركزية وطنية – بالمعنى المحلي في مقابل الإقليمي أو الدولي – تهمّش الحقائق الإقليمية التي يمكن أن تــُرى التطورات على ضوئها.

.

من الناحية الإسرائيلية، ترى الصحافة العبرية المشهد وقد تزامنت فيه التطورات الأمنية في سيناء وما رافقها من سياسات وقرارات اتخذتها حكومة السيسي، مع سقوط صاروخين مجهوليْ المصدر على الأراضي الفلسطينية المحتلة تم إطلاقهما يوم الجمعة 31 أكتوبر / تشرين أول المنصرم من قطاع غزة. قررت حكومة نيتنياهو إغلاق معبريْ كرم أبو سالم وإيريز، بالتزامن مع إغلاق معبر رفح من الناحية المصرية إلى أجل غير مسمّى، والشروع في إقامة المنطقة العازلة وتدمير الأنفاق بالكامل، فأضحت غزة مقطوعة الصلة تماماً بالعالم الخارجي[5]، جواً وبحراً وبراً ومن تحت الأرض.

.

يختفي الحديث عن غزة بشكل شبه تام في الخطاب السياسي والإعلامي المصري، على الرغم من أن المنطقي في إنشاء المنطقة العازلة هي أن تفصل بين جانبين. فالخطاب الإعلامي والسياسي المصري يُغفل حقيقة كون أحد الجانبين تحت حصار ممتد لسنوات، ويتغاضى عن ذلك تماماً في مقابل انشغاله بشن حملة تحريض من أجل التمهيد، ثم المباركة، لحملة التهجير القسري التعسفي الذي نفّذها الجيش المصري بحق جانب من سكان رفح المصرية. وعلى الرغم من عدم إنكار أي طرف لوجود الأنفاق أو حتى لاستخدامها في تهريب السلاح، إلا أن الحملة الدعائية قد نجحت في قلب موقع غزة في عملية تهريب السلاح، فتم تحويلها من وِجهة نهائية لسلاح المقاومة المهرب إليها عبر سيناء إلى مصدر لسلاح الجماعات الإرهابية التي تقوم بعملياتها في سيناء. وهو تحويل يصب في المصلحة الإسرائيلية، ويمكن فهمه بوضوح في سياق التنسيق الأمني الثلاثي بين مصر والولايات المتحدة الأميريكية وإسرائيل.

.

يحاول هذا المقال فك الالتباس بين ثلاثة خطوط متشابكة في قضية الأنفاق والمنطقة العازلة، وتتبع كل خط منها على حدة. وهذه الخطوط هي: خلفيات مشروع المنطقة العازلة في سياقه الإقليمي الأصلي قبل أن يتم تحوير الهدف منها إلى شأن وطني / محلي، وعلاقة المنطقة العازلة بالتهديدات الإرهابية التي أعقبت عزل محمد مرسي حتى اللحظة الراهنة، وحجم الأثر المتوقع لإقامتها في تحجيم الإرهاب المحلي.

.

خلفية عن مشروع المنطقة العازلة

. 

بدءًا من 2004، ظهرت أصوات في الكونجرس الأمريكي تعتبر التزام مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل سبباً غير كافٍ لاستمرار الولايات المتحدة في تقديم معونة عسكرية منتظمة بقيمة 1.3 مليار دولار سنوياً (رقم ثابت منذ مطلع الثمانينيات). تصاعدت هذه الأصوات حتى مارس بعض أعضاء الكونجرس في 2007، أي قبيل نهاية عهد جورج بوش الابن، ضغوطاً لربط استمرار المعونة العسكرية الأمريكية لمصر بعدة مجالات، يجب على الحكومة المصرية إحراز تقدم فيها لتبرر استحقاقها لثاني أكبر مساعدة عسكرية أميركية في العالم، بعد إسرائيل. وقد تعددت أسباب التشكيك في استحقاق الحكومة المصرية لاستمرار المساعدات العسكرية، فبدأت من التنكيل السياسي بالمعارضين، مروراً بالتمييز ضد الأقباط، ولم يخل من ابتزاز لتقديم النوايا الحسنة لتوسيع وتعميق التطبيع مع إسرائيل. وبالفعل، نجحت هذه الضغوط في نهاية 2007 في وضع 100 مليون دولار من ميزانية المعونة في 2008 تحت ثلاثة شروط؛ وهي: استقلال القضاء (في إشارة لتلفيق قضية جنائية لتصفية الحسابات السياسية مع المعارض السياسي أيمن نور)،وكبح انتهاكات الشرطة، والقضاء على شبكات التهريب بين مصر وغزة عبر الأنفاق[6]. وقد خُصّص مبلغ 23 مليون دولار لما تمت تسميته “تحسين الأداء الأمني” على الحدود مع غزة[7].

.

اللافت للانتباه في التحرك الأمريكي هو تأكيد المحليين في رفح أن عام 2007/2008 كان بمثابة طفرة كبيرة في عدد وأحجام الأنفاق، التي بدأت سرّاً في التسعينيات من القرن الماضي. يؤكد جنود سابقون خدموا في الإدارة الهندسية للقوات المسلحة المصرية أنهم عملوا في مشروعات أنفاق سرية أقامها الجيش بين شطري رفح في التسعينيات[8]، وقت أن كان قطاع غزة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، من دون آفاقٍ لوجود نزاع على السلطة بين حماس وفتح. تعددت الأنفاق تدريجياً، وامتلكها أصحاب بعض المنازل والعقارات من عائلات “الإقلاعية” المتاخمة للحدود من الجانبين، حتى زاد عددها عقب اجتياح الغزّيّين للحدود مع مصر للمرة الثانية في 2007/2008، بضوء أخضر من المخابرات العامة المصرية، التي كان لها اليد العليا في إدارة الحدود مع غزة قبل ثورة يناير[9].

.

قامت حرب غزة في شتاء 2008/2009، وصمدت المقاومة لفترة طويلة من دون انهيار في سلطة حماس أو انشقاق شعبي حولها، كما كان مرجوّاً. وبدا أن أحد أهم أسباب الصمود هو ما تمتلكه المقاومة في غزة من قدرات دفاعية وشبه هجومية حصلت عليها عبر الأنفاق. لذلك، كانت لغة مذكرة التفاهم الإسرائيلية الأمريكية حول منع توريد الأسلحة والعتاد “للجماعات الإرهابية” – بحسب تعبير الوثيقة – واضحة بخصوص اعتبار الحدود المصرية مع قطاع غزة مصدر تهديد للأمن الإسرائيلي. وقّعت كوندليزا رايس، ممثلةً عن الولايات المتحدة الأمريكية، مع نظيرتها تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، المذكرة المشار إليها بتاريخ 16/1/2009، مستهلتيْن إيّاها بالثناء على جهود الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، في هذا الإطار، وتفاهمتا على تقديم التعاون الأمني واللوجيستي والفني والاستخباراتي لمواجهة تهريب السلاح إلى حماس بالتنسيق والشراكة مع الحلفاء الإقليميين (دول الجوار) والدوليين (بخصوص خطوط النقل البحرية)[10].

.

في السنة ذاتها، خصص الكونجرس الأميريكي مبلغًا قدره 50 مليون دولار لــــ “تأمين الحدود المصرية مع قطاع غزة”[11]. ونشرت عدة تقارير صحفية وحقوقية عن استخدام السلطات المصرية وسائل مميتة في مكافحة الأنفاق، شملت، بالإضافة إلى الهدم والتفجير، استخدام الغازات السامة والإغراق بالمياه. ولم تنته تلك السنة حتى كشفت صحيفة هاآرتس في 9 / 12 / 2009 عن مصادر مصرية بدء العمل في جدار فولاذي ضخم على الحدود مع القطاع بعمق 20 – 30 متراً لمكافحة الأنفاق[12]. وبعد نفي الحكومة المصرية، عادت وأكّدت الخبر، ودافع عنهعمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، بصفته من اختصاصات السيادة المصرية ضمن ما يدخل في الحفاظ على الأمن القومي.

.

سجل مختصر بالتهديدات الإرهابية منذ 3 يوليو  

.  

وقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب اجتماع المجلس الأعلي للقوات المسلحة صباح السبت 25 أكتوبر / تشرين أول المنصرم وسط مجموعة من أعضاء المجلس، وألقى كلمة تليفزيونية[13] بخصوص الهجوم الأخير على نقطة تفتيش “كرم القواديس” متهماً أيادٍ خارجية لم يسمّها. لكنه أعلن بوضوح أن القرارات التي تم اتخاذها في الاجتماع الطارئ، التالي لاجتماع مجلس الدفاع الوطني مساء الجمعة عقب وقوع الهجوم، تهدف إلى حل المشكلة من جذورها، من ناحية قطاع غزة، وهو اتهام صريح جغرافياً يحدّد منبع الأخطار والتهديدات الإرهابية في وجهة نظر سلطة 3 يوليو / تموز 2013.

.

بمحاولة تتبع هذا الاتهام لدراسة ارتباطه بالتسلسل الزمني للأحداث في سيناء، يمكن رصد نشاط عدة جماعات مسلحة في السنوات الأخيرة انصبّت عمليّاتها بالأساس على المصالح والأهداف الإسرائيلية داخل سيناء (استهداف خط تصدير الغاز الطبيعي)، وعبر الحدود داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة (أم الرشراش / إيلات وصحراء النقب). وعلى الرغم من تبنّيها جميعاً أيديولوجيات سلفية جهادية، وإعلانها التضامن مع نظرائهم في غزة ضد تضييق حماس عليهم، وتكرار توبيخهم الإخوان المسلمين على اختيار طريق الديمقراطية والمشاركة السياسية، إلا أن مساراتهم قد افترقت بعد انقلاب 3 يوليو / تموز. ففي سبتمبر 2012، أصدر “أنصار بيت المقدس” تسجيلاً مرئياً استنكروا فيه اتهامهم بالمسؤولية عن الهجوم على نقطة تابعة لحرس الحدود في شهر رمضان، ما أسفر عن مقتل 16 جندياً، فيما عرف إعلامياً بــ “مذبحة رفح الأولى”. كان خطابهم في التسجيل المذكور لا يكفّر جنود الجيش ويعتبرهم مسلمين، من دون ذكر قادة الجيش وضباطه من قريب أو من بعيد، كما بثت الجماعة نفسها تسجيلاً في سبتمبر 2013 يوثّق دورها في الإفراج عن الجنود السبعة المختطفين في شهر مايو / أيار من العام ذاته قبيل الإطاحة بحكم محمد مرسي.

.

تغيّر الخطاب والسلوك تماماً بعد مذبحة الحرس دار الجمهوري (8 يوليو / تموز 2013) وتكرار الاعتداءات على الإسلاميين في مواقع ومواقف دينية، حيث اعتبرها خطابهم “مذابح الساجدين والصائمين”. أما تحول نيران جهاديي سيناء إلى الداخل المصري ضد القوات النظامية من الجيش والشرطة فكانت نقطته الفاصلة في الشهر التالي،أغسطس / آب، حينما اتهمت التنظيمات الجهادية في سيناء جميعُها (“أنصار بيت المقدس”، و”مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس”، و”السلفية الجهادية في سيناء”) الجيشَ المصري بالتنسيق الأمني والتعاون مع إسرائيل، التي اخترقت المجال الجوي المصري لقتل كوادرها. بدأت الأحداث بإحباط إطلاق ثلاثة صواريخ أرض – أرض من منطقة العجراء جنوب رفح تجاه أهداف إسرائيلية يوم 9 أغسطس / آب 2013. تم الإحباط بقصف طائرة إسرائيلية بدون طيار (درون) للخمسة المشاركين في العملية[14]، حيث قتلت منهم أربعة. وفي اليوم التالي، شنّت مروحيات الأباتشي المصري هجوماً على قريتي الثومة والمقاطعة لنفي التصريحات الإسرائيلية التي تداولتها وكالات الأنباء العالمية، وادّعاء أن الجهاديين الأربعة قتلوا في غارة مصرية يجري استكمالها في اليوم التالي[15]. كانت هذه الواقعة هي آخر ما صدر بخصوصه بيانات تمثل التعدد في تنظيمات السلفية الجهادية في سيناء، حيث يتصدر الآن تنظيم “أنصار بيت المقدس”، أو “ولاية سيناء”، مشهد الساحة القتالية ضد القوات النظامية في سيناء وعموم مصر[16]. ظهرت بوادر لجماعات وليدة، مثل “كتائب الفرقان” التي استهدفت الممر الملاحي لقناة السويس بقذائف الآر بي جي مرتين، ثم اختفت من الساحة، مع وجود احتمال قوي بالاندماج في “ولاية سيناء”، الذي لم تعد عملياته حكراً على سيناء[17]. ولا يوجد تنظيم نشط آخر بخلاف تنظيم “أجناد مصر” الذي يستهدف قوات الشرطة فقط في محيط القاهرة الكبرى.

.

الأنفاق والتهديدات الإرهابية: هل من علاقة؟

.

لاختبار علاقة أنفاق رفح بانتشار الأخطار الأمنية والتهديدات الإرهابية في ربوع مصر، يمكن دحض وجود علاقة ارتباط شرطي حصري بينهما. صحيح أن أول عملية كبيرة نفذها متشددون إسلاميون عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013 كانت في سيناء (أغسطس/آب 2013)، إلا أن المتهم الرئيس فيها، ويدعى عادل حبارة، هو بالأساس من محافظة الشرقية في دلتا وادي النيل، وقد وقعت “المذبحة” بعيداً عن الشريط الحدودي بأكثر من 20 كيلومتر في الطريق بين العريش والشيخ زويد على الرغم من اشتهارها بــ “مذبحة رفح الثانية”. أما أول عملية نوعية للجماعات المسلحة فكانت أيضاً في سيناء، وقد نفذها تنظيم “جيش الإسلام” يوم 11 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أي بعد 4 أيام من بدء العمليات الموسعة / الحرب في سيناء، تلك التي لم تتوقف حتى الآن. استهدف ذلك الهجوم مقر المخابرات العسكرية في رفح بحجم هائل من المتفجرات، فقتل وأصاب أغلب أفراد القوات الموجودة فيه.

.

في 7 أكتوبر/تشرين أول 2013، وقع هجوم “أنصار بيت المقدس” على مديرية أمن جنوب سيناء في مدينة الطور، وكان إيذاناً بخروج المواجهات من شمال سيناء، مع الاعتماد على التفجيرات الانتحارية. وبعد أقل من أسبوعين خلال الشهر ذاته، هاجم “الأنصار” مقر المخابرات العسكرية في مدينة الإسماعيلية على الضفة الغربية من قناة السويس. وفي نوفمبر / تشرين ثان 2013 نجح “الأنصار” في استهداف حافلة جنود أثناء عودتهم لقضاء إجازة من خدمتهم في معسكر الزهور في مدينة الشيخ زويد فقتلوا منهم 10 وأصابوا آخرين. ولم تنقضِ سنة 2013 حتى استهدف “الأنصار” مديرية أمن الدقهلية في مدينة المنصورة في قلب الدلتا في أواخر شهر ديسمبر / كانون أول. أما السنة الجارية فقد استهلوها بثلاث عمليات نوعية؛ فقد جددوا قصف إيلات بصواريخ من طراز “غراد” لأول مرة منذ بدء مواجهاتهم مع الجيش المصري، وفجّروا مديرية أمن العاصمة، وأسقطوا مروحية مقاتلة في شمال سيناء ليكونوا بذلك أول ميليشيا تسقط طائرة عسكرية مصرية في التاريخ. وفي فبراير / شباط من العام الجاري، استهدفوا حافلة سياح كوريين في جنوب سيناء كانت تقضي برنامجاً ترفيهياً بين مصر وإسرائيل.

.

قُتل مؤسس تنظيم “أنصار بيت المقدس”، توفيق محمد فريج، في شهر مارس/آذار الماضي في مواجهات مع قوات الجيش في سيناء، كما اعتقل مسؤول التنظيم في القاهرة، محمد بكري هارون، في شهر أبريل / نيسان، فتأثرت الجماعة قليلاً، ثم ما لبثت أن استعادت قدراتها بتولي ضابط الصاعقة المفصول من الخدمة، هشام عشماوي، مهمة قيادة العمليات الميدانية. يرجح أن يكون عشماوي هو مهندس عملية الهجوم على نقطة تفتيش عسكرية في محيط واحة الفرافرة في جنوب الصحراء الغربية المصرية في يوليو / تموز الماضي، وهو الهجوم الذي أسقط قرابة 25 قتيلاً وعدداً من المصابين. وتؤكد مصادر مطلعة نجاته من الهجوم الناجح الذي شنته قوات مشتركة من الجيش والشرطة في سبتمبر / أيلول الماضي على معسكر تدريب أقامه عشماوي لأعضاء “الأنصار” في طريق القاهرة – السويس.

.

في نهاية هذا السجل الحافل من العمليات الناجحة التي نفذها تنظيم الأنصار، يأتي هجوم “كرم القواديس” الأخير في الشمال الشرقي من سيناء مشابهاً لهجوم الفرافرة في الجنوب الغربي من مصر. لم يكن الهجوم الأخير هو الأكبر في حجم خسائر الجيش فقط، بل كان نقلة نوعية في اختراق “الأنصار” استخباراتياً لصفوف الجيش، حيث تزامن الهجوم مع زيارة تفقدية لقائد عمليات الجيش الثاني الميداني وقائد الكتيبة 101، فأصيب كلاهما في الهجوم، وإصابة أحدهما خطيرة. وهو ما يفسّر تواجد مثل هذا العدد الكبير من الجنود لحظة الهجوم في نقطة تفتيش عادية، وكذلك يفسر رد الفعل الرسمي التصعيدي غير المسبوق. وبالأخذ في الحسبان مئات الاشتباكات الاعتيادية في سيناء وبعض العمليات الفاشلة في العاصمة والساحل الشمالي الغربي، يتبيّن أن ربط المشهد الأمني المتردّي في أنحاء مصر، وتحويل النظر عن الحدود البرية والبحرية المفتوحة مع ليبيا والسودان إلى 14 كيلومتر فقط في أقصى الشمال الشرقي، لا يمكن فهمه إلا في ضوء سياق أمني إقليمي وليس ضرورة أمنية وطنية / محلية.

.

حتى كتابة هذه السطور، اختتم سجل عمليات “أنصار بيت المقدس”، سابقاً، أو ما أصبح يسمى “ولاية سيناء” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، بعملية نوعية مركبة اخترقوا بها صفوف القوات البحرية، محاولين اختطاف لنش مقاتل بعد تجنيد قائده (ضابط شاب برتبة نقيب) لتنفيذ عملية هجومية ضد أحد قوارب نقل الجنود إلى سيناء. وقعت العملية صباح الأربعاء 12 نوفمبر / تشرين ثان، وبدأت تتكشف خيوط الرواية لاحقاً على الرغم من محاولات التعتيم وتلفيق القضية لبعض الصيادين للتغطية على الاختراق[18]. بعد هذه العملية، تأكدت حقيقة اختراق الجماعات المسلحة لصفوف الجيش، سواء بالتعاون الاستخباراتي أم حتى بالتجنيد لتنفيذ عمليات انشقاقية، وهي كلها مخاطر جادة تفوق احتمالات التهديد الأمني بسبب الأنفاق.

.

أثر المنطقة العازلة في تحجيم / تشجيع الإرهاب المحلي

.

بدأت قوات من الجيش المصري يوم 29 أكتوبر / تشرين أول المنصرم في إقامة منطقة عازلة بين شطري مدينة رفح المقسومة إلى رفح الفلسطينية شرقاً ونظيرتها المصرية غرباً. يجري تنفيذ هذه الخطة في أقصى الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء، بطول 14 كيلومتر، هي حدود مصر البرية مع القطاع، وبعمق 500 متر كمرحلة أولى، وهي المسافة الفاصلة بين الشريط الحدودي وبين الطريق الإسفلتي الرئيسي داخل مدينة رفح المصرية. وتداولت وسائل إعلام مصرية لاحقاً خبراً عن عزم الجيش مد المنطقة العازلة لتكون بعمق كيلومتر واحد. تتضمن عملية إنشاء المنطقة العازلة طرد سكانها ونزع ملكياتهم لأراضيهم الموروثة عبر القرون، تلك التي تم تجريفها من الزراعات عالية الجودة قبل سنة، ويجري الآن هدم منازل السكان المهجّرين قسرياً منها وتسويتها بالأرض للشروع في إقامة فواصل فعّالة بين غزة وسيناء لمجابهة التهريب عبر الأنفاق.

.

أعلنت السلطات عن نواياها لتنفيذ هذا المقترح الأمني عدة مرات سابقة، ووجهت قيادات الحملة العسكرية، التي بدأت في سيناء في 7 سبتمبر / أيلول 2013 تهديدات للأهالي بإخلاء هذه المنطقة الكبيرة، التي تضم عدة أحياء سكنية ويبلغ تعداد قاطنيها ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف نسمة[19]. لكن الأفكار والخطط المعلقة، والتهديدات اللفظية، لم تدخل حيّز التنفيذ إلا عقب الهجوم الأخير على نقطة “كرم القواديس” في الجنوب الغربي لمدينة الشيخ زويد. وفق البيانات الرسمية وتصريحات محافظ شمال سيناء للفضائيات المصرية، فإن إجمالي عدد المنازل المزمع هدمها هو802 منزل، منها 122 تم هدمها بالفعل على مدار السنة الماضية، و680 آخرين تم حصرهم للخطة الراهنة[20]. وبحسب المصدر نفسه، فإن عدد الأسر المتضررة من التهجير يتجاوز 1150 أسرة، وهي في أغلبها عائلات كبيرة الحجم. وقد تم التهجير بدون خطة إخلاء منظمة، بل طُرد الناس من بيوتهم تحت التهديد بتفجير المنازل فوق رؤوس من فيها. ولم تساعد القوات في توفير حافلات أو سيارات لنقل المفروشات والمتعلقات، كما علقت وعودها بالتعويضات من دون أي مستند رسمي يضمن حقوق المهجّرين[21].

.

تنص المادة 63 من الدستور المصري المستفتى عليه والمبدوء العمل به في 2014 على النص التالي: “يحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم”. تم تجاهل هذا النص تماماً أثناء اتخاذ القرار الأخير بإنشاء المنطقة العازلة، التي يسمّيها الجيش “مؤمّنة”. يراوغ قادة الجيش قانونياً ويحاولون توفير غطاء شرعي لانتهاك حقوق المواطنين في سيناء، فقد أعلن السيسي حالة الطواريء لمدة 3 شهور في المنطقة الشمالية الشرقية من سيناء، التي تضم رفح والشيخ زويد والعريش وعشرات من القرى والتجمعات السكنية البدوية التابعة. يتم تسويغ هذه القرارات الاستثنائية بضرورات الأمن القومي، لكن لا يبدو أن أحداً من الحكومة المصرية معنيّ بحكم القانون وخطورة أن تكون أجهزة السلطة هي المثال والنموذج في نسف دولة القانون.

.

لم يتحدث ممثلو السلطات المصرية عن إخلاء وتدمير مدرسة ووحدة صحية ومسجدين في المنطقة التي يجري عزلها، وهو ما كشفت عنه بعض تقارير الصحافة الإسرائيلية[22] وأكدته المصادر المحلية في رفح. ويعد هدم المساجد تحديداً مدخلاً أساسياً للخطاب التكفيري الذي يعتمد عليه أعضاء “أنصار بيت المقدس” وغيرهم من متشددين، مجادلين البسطاء المتضررين بأن المسلمين لا يهدمون بيوت الله ولا يقصفونها بالطيران والمدفعية، كما تكرر في مساجد قريتي المقاطعة واللفيتات وغيرها من قرى جنوب الشيخ زويد[23]. يستشهد الخطاب التكفيري في تعبئته أيضاً بما يسمّيها “مذابح الصائمين والساجدين”، فضلاً عن وقائع الاعتداء على مسيرات الإسلاميين السياسيين واعتصاماتهم في المساجد وبلوغ الأضرار والتلفيات محتوياتها، وكذلك التحريض على الملتحين والمنتقبات ومرتديات الخمار الواسع، وكافة أشكال التحريض والكراهية الاجتماعية التي تمارسها أبواق سلطة 3 يوليو / تموز.

.

يزعم السيسي أن إجراءاته المتطرفة في قسوتها في سيناء تحارب الإرهاب وتجفف منابعه، لكن الظاهر منها حتى الآن هي عمليات تفريخ وتعزيز للبيئة الحاضنة للتطرف والإرهاب، أو على الأقل لعوامله ومغذيّاته، سواءً بسبب الأضرار القانونية والاجتماعية الخطيرة أم لغياب المعالجة الاقتصادية والفكرية الاحتوائية غير الصدامية. وقد برزت بشائر التدهور الأمني داخل منطقة الطواريء في أقل من أسبوع من بدء التهجير، حيث تم تفجير مدرعة بالعريش خلال ساعات حظر التجوال، كما قصفت مديرية أمن شمال سيناء بقذائف مدفعية، وأعلنت جماعة عشائرية وليدة تدعى “حركة أبناء سيناء” عن تدشينها عبر فيديو تم بثه على موقع “يوتيوب”، وقد ظهر أعضاؤها بملابس عسكرية مموهة وسلاح خفيف ومتوسط وأعلنوا أن هدفهم هو محاربة “أنصار بيت المقدس” بسبب تجاوزاتهم في حقوق بدو سيناء، من دون أية إشارة للدولة أو أجهزتها الأمنية والعسكرية. وفي أقل من شهر، وقعت حادثة دمياط البحرية، التي تعد اختراقاً نوعياً من “الدواعش المصريين” لصفوف قوات الجيش.

.

الخلاصـــة

كان مشروع عزل الشريط الحدودي بين شطريْ رفح واضحاً تماماً قبل ثورة يناير، فلم يكن في دعاوى الحكومة المصرية أي شأن بخصوص ربط الأنفاق بتهديدات أمنية محلية في سيناء، فكان الهدف، الحقيقي والمعلن، هو منع تهريب السلاح إلى غزة. وفّر بزوغ الجماعات المسلحة في شمال سيناء عقب الثورة وتمردها على سلطة الدولة المصرية، وعدم اعترافها بالحدود أو المعاهدات الدولية، ظرفاً مواتياً لدولة الاحتلال كي تضغط على الجانب المصري بأساليب مختلفة لإجباره على تأمين حدودها التزاماً بنص معاهدة السلام، الذي يقضي بعدم اتخاذ أراضي أي طرف كمنطلق لأعمال عدائية تجاه الطرف الآخر.

.

في عهد المجلس العسكري لجأت القوات الخاصة الإسرائيلية إلى تنفيذ عملية اغتيال لأحد كوادر “أنصار بيت المقدس” في قرية “خريزة” في وسط سيناء، مخترقة الأراضي المصرية بعمق 15 كيلومتر. وفي عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، اختطف الإسرائيليون وائل أبو ريدة، القيادي في حركة الجهاد في غزة أثناء زيارته لدلتا وادي النيل في زيارة علاجية، كما نفّذوا عملية اغتيال أخرى لأحد كوادر “أنصار بيت المقدس” في منطقة “جوز أبو رعد” جنوب رفح. وعقب انقلاب 3 يوليو / تموز، اخترقت طيارة إسرائيلية بدون طيار الأجواء المصرية لتحبط عملية إطلاق صواريخ تجاه الأراضي المحتلة من منطقة “العجراء”.

.

احتاج الجيش المصري إلى الدعم الإسرائيلي في المحافل الدولية في النصف الثاني من 2013 والربع الأول من 2014، لِكيْلا يتم اعتبار حركة 3 يوليو / تموز انقلاباً عسكرياً. تكشفت خيوط التفاهم المصري الإسرائيلي تدريجياً، بحسب الصحافة الإسرائيلية[24]، فاتضح أن تعاوناً أمنياً حثيثاً يجري على أرفع مستويات القيادة بين الجانبين في مجال مواجهة الجماعات المسلحة في سيناء وتأمين حدود إسرائيل، وبالمقابل فإن اللوبي الإسرائيلي لم يتوان عن دعم السيسي في واشنطن وبروكسل، وكان له دور كبير في الضغط من أجل الإفراج الجزئي عن المعونة العسكرية المجمدة منذ أكتوبر 2013. يحرص الطرفان على التنسيق والتعاون في سبيل الإبقاء على سريان معاهدة السلام والحصول على الدعم الأمريكي المقترن بها. وهو السياق الذي يمكن أن تفهم من خلاله التصعيدات الأخيرة تجاه الشريط الحدودي مع غزة بموضوعية، ومن دون تفسيرات تآمرية دوغمائية.

——————————————————————————————–

[1]كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، السبت 25 أكتوبر 2014.

https://www.youtube.com/watch?v=1XAFq973LKA

[2]إسماعيل الإسكندراني. “الأنصار ينفون البيعة لــ “داعش” .. وبشائر الصحوات في سيناء”. موقع المدن، 4 نوفمبر 2014.

http://www.almodon.com/arabworld/8c085ac6-cdec-4252-96b4-b50d46cc2024

[3]مقطع صوتي يعلن فيه القسم الإعلامي لجماعة “أنصار بيت المقدس” البيعة لأبي بكر البغدادي أمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، منشور بتاريخ 10 نوفمبر 2014.

https://ia801403.us.archive.org/32/items/khlafa/khlafa.mp3

[4] صدر الفيلم يوم السبت 15 نوفمبر / تشرين ثان بعنوان “صولة الأنصار” وقد تم حذفه عدة مرات من موقع “يوتيوب” بسبب انتهاكه شروط النشر لاحتوائه على مشاهد قتل عنيفة.

[5]تقرير جريدة يديعوت احرونوت المنشور يوم 2 نوفمبر 2014.

http://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4586819,00.html

[6]Axelrod, Matthew Craig. Aid as Leverage? Understanding the U.S.-Egypt Military Relationship. The Lauder Institute, University of Pennsylvania, April, 2011.

http://lauder.wharton.upenn.edu/pages/pdf/other/Axelrod.pdf

[7]Knickmeyer, Ellen. Egypt to Bolster Gaza Border. The Washington Post, 7 January, 2008.

http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2008/01/06/AR2008010602055.html

[8]مقابلة شخصية عبر شبكة الإنترنت مع جندي مصري سابق في سلاح المهندسين. أغسطس 2013.

[9]مقابلات شخصية متعددة مع تجار أنفاق في الجانب المصري من رفح وكذلك مع بعض المتعاونين مع الأجهزة الأمنية الذين استشعروا الأمان النسبي بعد ثورة يناير فأفصحوا عن بعض ما كتموه قبل الثورة، (2011 – 2013).

[10]وزارة الخارجية الإسرائيلية. مذكرة تفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة بالنسبة لمنع توريد الأسلحة والعتاد للجماعات الإرهابية. 16 يناير 2009.

http://mfa.gov.il/MFAAR/KeyDocuments/IsraeliArabConflict/Pages/Israel-US-Memorandum-of-Understanding-16012009.aspx

[11]التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2009. مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2010.

[12]المرجع السابق.

[13] مرجع سابق.

[14]Associated Press. Officials: Israeli drone strike kills 5 in Egypt. 9 August, 2013.

http://bigstory.ap.org/article/officials-israeli-drone-strike-kills-5-egypt

[15]إسماعيل الإسكندراني. الحرب في سيناء: مكافحة إرهاب أم تحولات استراتيجية في التعاون والعداء؟. مجلة سياسات عربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يناير 2014.

[16]يرجّح أن يكون تنظيم “أكناف بيت المقدس” قد انسحب إلى غزة من دون الاشتباك مع القوات المصرية، حيث نشر بعض التسجيلات المرئية لمشاركته في حرب “العصف المأكول” الأخيرة في غزة.

[17] صدرت بيانات “كتائب الفرقان” لتعلن مسؤولية “كتيبة خالد بن الوليد” عن إطلاق قذائف الآر بي جي على البواخر في الممر الملاحي لقناة السويس مرتين، ثم اختفت كتائب الفرقان وصدر بيان لاحق من “أنصار بيت المقدس” يعلن مسؤولية “كتيبة خالد بن الوليد” عن تفجير مديرية أمن الدقهلية في مدينة المنصورة.

[18] يمكن الاطلاع على تقرير جريدة المدن “المدن تكشف أسرار عملية دمياط: كيف اخترقت داعش البحرية المصرية؟

http://www.almodon.com/arabworld/cd5ae7d8-ff20-4b7e-8205-eccbcd0c31f6

وكذلك: “تأكيدًا لما كشفته المدن .. مصر تصدر رواية مماثلة لعملية دمياط”

www.almodon.com/arabworld/acc103cb-098f-41d0-ab92-56c04a530c23

[19]وفق البيانات الرسمية فإن عدد الأسر المتضررة يتجاوز 1150 أسرة، والأسر في شمال سيناء عموماً كبيرة الحجم، حيث يتراوح متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة بين 5 و 8 أفراد.

[20]عبد الفتاح حرحور، محافظ شمال سيناء، في لقاء تليفزيوني مع فضائية CBC Extra المصرية الخاصة، بتاريخ 29 أكتوبر 2014.

https://www.youtube.com/watch?v=vQjexhpVYdg

[21]مقابلات شخصية عبر الهاتف وشبكة الإنترنت مع متضررين من التهجير يرفضون ذكر أسمائهم. 29 – 31 أكتوبر 2014.

[22]Smadar Perry. El-Sisi’s disengagement from Gaza. Ynetnews, 3 November, 2014.

http://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4587074,00.html

[23]تكرر قصف مسجد التوحيد، المشهور محلياً بجامع أبو منير، بقذائف “هيل فاير” بدعوى استخدامه كمنطلق لجماعة أنصار بيت المقدس، وذلك في سبتمبر 2013. كما تضرر مسجد قرية اللفيتات بالقصف المدفعي المباشر الذي أصابه صباح الجمعة 13 سبتمبر 2013. ووقعت عدة اعتداءات على المساجد في أماكن متفرقة لاحقاً، لا سيّما محاصرة أحد مساجد العريش في صلاة التراويح في رمضان 1435 (2014) واقتحامه لاعتقال مطلوبين ومشتبه بهم.

[24]للمزيد: يمكن الاطلاع على تقرير هاآرتس المنشور بتاريخ 19 مارس 2014.

http://www.haaretz.com/mobile/.premium-1.580617?v=716A0C276EB0413454269D4A76727326

Posted by: Ismail Alexandrani | نوفمبر 26, 2014

سياسة المنطقة العازلة بين مصر وغزة

المنطقة العازلة التي يجري العمل على إنشائها في الجانب المصري من منطقة رفح الحدودية سوف تزيد من حدة المظالم الاجتماعية التي تقع في صلب العنف في سيناء.

مقالي المنشور في موقع صدى لتحليلات الشرق الأوسط التابع لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بتاريخ 25 نوفمبر 2014 على الرابط التالي:

http://goo.gl/GwKHOV

المنطقة العازلة التي يجري العمل على إنشائها في الجانب المصري من منطقة رفح الحدودية سوف تزيد من حدة المظالم الاجتماعية التي تقع في صلب العنف في سيناء.

باشرت السطات المصرية إنشاء منطقة عازلة في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي في أقصى الشمال الشرقي لشبه جزيرة سيناء على طول الحدود مع غزة، والتي ستفصل بين رفح الفلسطينية في الشرق ورفح المصرية في الغرب. سوف تمتدّ المنطقة العازلة من المعبر الحدودي حتى مسافة كيلومتراً في الداخل المصري. لكن على الرغم من أن المسؤولين المصريين يقولون إن هذا الإجراء يأتي رداً على عدد من الهجمات الدموية التي شنّتها جماعة أنصار بيت المقدس منذ صيف العام 2013، إلا أن قرار تحميل الوضع داخل المنطقة الحدودية الممتدة على طول 14 كيلومتراً في سيناء تبعة التدهور الأمني في مصر، هو في نهاية المطاف قرار سياسي الطابع. 

.

يعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن المنطقة العازلة ستضع حداً لتدفق المقاتلين والسلاح من غزة إلى سيناء- على الرغم من أن حجم هذا التدفق ليس واضحاً. واقع الحال هو أن القرار يعكس عداء حكومة السيسي تجاه حركة حماس في غزة التي تُعتبَر الحليف الاستراتيجي والأيديولوجي الأقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين – العدو السياسي للنظام المصري. ولذلك يُستبعَد أن يساهم هذا الخيار في كبح العنف في سيناء أو سواها من المناطق، كما زعم السيسي في خطابه المتلفز في 25 تشرين الأول/أكتوبر للماضي.

.

لقد أعلنت السلطات المصرية في مناسبات عدة عن نيتها إنشاء منطقة عازلة، لكنها لم تتحوّل واقعاً على الأرض إلا بعد الهجوم العنيف الذي استهدف حاجز تفتيش عسكرياً في كرم القواديس يوم الجمعة 24 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فقد أسفر الهجوم الذي نفّذته جماعة أنصار بيت المقدس – التابعة حالياً لتنظيم داعش تحت إسم “ولاية سيناء” – عن مقتل ما لايقل عن 28 جندياً وضابطاً في صفوف الجيش المصري وإصابة 26 آخرين بجروح. على الرغم من أنه لطالما شدّد الحوار الأميركي-الإسرائيلي والحوار الأميركي- المصري على الحاجة إلى إغلاق الأنفاق الحدودية مع غزة ووقف تهريب السلاح إلى القطاع، إلا أن صعود المجموعات الجهادية السلفية في العامَين 2011 و2012، مثل مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس، وأنصار بيت المقدس، جعل المسألة أكثر إلحاحية لاسيما على ضوء الهجمات التي شنّتها تلك المجموعات. وقد بدأ الجيش، خلال عهد محمد مرسي، حملة محدودة أطلق عليها اسم “عملية سيناء” ضد المجموعات الجهادية المسلّحة بعد الهجوم على معسكرٍ لحرس الحدود، والذي أسفر عن مقتل 16 جندياً في 5 آب/أغسطس 2012. بيد أن العملية لم تتمكّن من وضع حد لهذه الهجمات.

.

بعد عزل مرسي في الثالث من تموز/يوليو 2013، وإبان عمليات القتل الجماعي التي استهدفت الإسلاميين، اعتبر أنصار بيت المقدس أن الجيش يشنّ، من خلال التدابير التي يتّخذها، حرباً على المسلمين، وردّوا باستهداف الجنود العاديين الذين شكّكت المجموعة في معتقدهم الديني. والآن تدّعي حكومة السيسي أن عزل المنطقة الحدودية وتدمير أنفاق غزة سيساهمان في تراجع الهجمات المسلّحة على القوى الأمنية والمواطنين المصريين. لكن هجمات كثيرة، ومنها الهجوم الذي شُنَّ في تموز/يوليو الماضي في واحة الفرافرة في الصحراء الغربية الشاسعة، ليست نتيجة السلاح الذي يدخل إلى مصر عن طريق غزة – بل تأتي رداً على القمع والمظالم الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تتسبّب بتأجيج العنف. وإنشاء المنطقة العازلة ينم عن عدم إدراك للأسباب الحقيقية خلف العنف، لابل أكثر من ذلك، سيتسبّب على الأرجح بتفاقم هذه المظالم.

.

وخير دليل على ذلك الأحداث الدموية التي وقعت في 31 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فبعد ثلاث ايام من طرد سكّان سيناء من القطاع الحدودي في رفح والانتشار الكثيف للقوات العسكرية في المنطقة، استهدفت عبوة ناسفة آلية مدرّعة تابعة للجيش المصري في مدينة العريش (على بعد 40 كلم غرب رفح)، على الرغم من حظر التجوال وإغلاق الطرقات. وقد لقي جنديان مصرعهما وأصيب الباقون بجروح. وفي 12 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، بعد أقل من شهر على هجوم كرم القواديس، قاد ضابط منشق في البحرية يدعى أحمد عامر كان قد أعلن ولاءه لتنظيم داعش، عملية بحرية قبالة ساحل دمياط. قد يكون عامر أول ضابط منشق، لكن هشام عشماوي، القائد الميداني لأنصار بيت المقدس، كان أيضاً ضابطاً عسكرياً في الجيش المصري.

.

بيد أن مشكلة الأنفاق ومايحيط بها من هواجس تعود إلى ماقبل السيسي والوضع الراهن في سيناء. فقد تعرّضت حكومة مبارك للضغوط لتدمير الأنفاق الحدودية، كما ورد في مذكرة تفاهم أمنية أميركية-إسرائيلية موقّعة في 16 كانون الثاني/يناير 2009، وقد تعهّدت الحكومتان العمل معاً إلى جانب الحلفاء الإقليميين من أجل منع تهريب السلاح  إلى غزة. على الرغم من أنه لايُعرَف بالضبط إذا كانت تصل الأسلحة إلى مصر، إلا أن حكومة السيسي حمّل المقاتلين من غزة مسؤولية العمليات الإرهابية في سيناء. وقد تمكّن من تحويل النقاش حول الأنفاق من التركيز على كونها تشكّل بصورة أساسية تهديداً أمنياً لإسرائيل إلى اعتبارها تهديداً قومياً ومحلياً – الأمر الذي ساهم بدوره في تعزيز حجّته لإنشاء منطقة عازلة.

.

يفشل المنطق المستخدم في الدفاع عن إنشاء المنطقة العازلة في معالجة المشكلة الحقيقية لتدفق الأسلحة، ومن شأنه أيضاً أن يزيد من جاذبية المجموعات الجهادية التي تعمل في سيناء. لقد فقدت المجتمعات المحلية في شبه الجزيرة ثقتها بالجيش وسيادة القانون. يشبّه السكان العقوبات العشوائية والجماعية التي تنفّذها حكومة السيسي بالانتهاكات السابقة خلال عهد مبارك. أما السكّان المتقدّمون في السن، ولاسيما قدامى المحاربين، فغالباً مايشبّهون تدابير الجيش المصري في سيناء بممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تمركزت في شبه الجزيرة من 1967 إلى 1982.

.

بغية تبرير الإجراءات المشدّدة في التعامل مع المتمردين في سيناء، أقرّ قادة الجيش المصري قوانين جديدة من أجل تأمين غطاء قانوني لممارساتهم. وقد أعلن السيسي حال طوارئ لمدّة ثلاثة أشهر، اعتباراً من 25 تشرين الأول/أكتوبر 2012 في شمال شرق سيناء – الذي يضم رفح والشيخ زويد والعريش وعشرات القرى الأخرى – في خطوة تزعم السلطات أنها تصب في إطار المصلحة الوطنية. وكذلك أقرّت الحكومة قانونيُجيز للمـؤسسة العسكرية “حماية وتأمين المنشآت العامة والحيوية بالدولة”، مثل الجسور والطرقات.

.

بيد أن الإجراءات الأخيرة لإنشاء منطقة عازلة ستؤدّي إلى توسيع الهوة بين الحكومة وسكّان سيناء. حتى الآن، فشلت الحكومة في تنظيم عمليات الإجلاء كما يجب، ماجعل النازحين معرّضين خلال بحثهم عن وسائل النقل و مساكن بديلة. ستستمر هذه المقاربة العشوائية في تأجيج النزاعات الاجتماعية والقبلية والتشنّجات المحلية. وقد شاءت الصدفة أن معظم الأشخاص الذين طالهم النزوح القسري ليسوا من القبائل البدوية، بل يتحدّرون من المماليك الذين نجوا من مجزرة القلعة في العام 1811 1. فقد بات بإمكان هذه العائلات أن تنضم الآن إلى جيرانها البدو في الحديث عن الظلم الجماعي اللاحق بها على أيدي الجيش المصري.

.

على الرغم من ذلك، تمضي الحكومة المصرية قدماً بتنفيذ خطتها، ومن غير المرجّح أن تبدّل مسارها. وقد لقي القرار مباركة الولايات المتحدة وإسرائيل فضلاً عن السعودية والإمارات العربية المتحدة، حليفتَي السيسي الأساستين في منطقة الخليج. تعكس المقاربة التي تعتمدها السلطات المصرية إيماناً عميقاً بجدوى الحلول الأمنية في محاربة الإرهاب – فتضاف بذلك إلى القائمة الطويلة من الانتهاكات المنهجية التي ارتكبتها السلطات المصرية بعد الثالث من تموز/يوليو.


1. بالاستناد إلى مقابلات مع زعماء القبائل.

Posted by: Ismail Alexandrani | نوفمبر 15, 2014

نكبة رفح في ذكرى العدوان الثلاثي

وضاح مهدي - العراق

وضاح مهدي – العراق – السفير العربي

مقالي المنشور على موقع جريدة السفير العربي يوم 12 نوفمبر 2014 على الرابط:

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=2374&refsite=arabi&reftype=article&refzone=topicarticles

وذلك ضمن سلسلة مقالات ملف “في سبر أغوار سيناء” المنشور على الرابط التالي:

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=2231

انسحب إرييل شارون منفرداً من غزة عام 2005 ليلقي بها ملتهبة بعيداً عنه، بصراعاتها الداخلية وأعباء إدارة معبرها الوحيد إلى أراضٍ غير محتلة. لم يكن شارون يحلم بذلك اليوم التاريخي الذي سيأتي بعد تسع سنين من قراره الخبيث فتُحْكم مصر الحصار على القطاع مرتكبةً جريمة تهجير قسري تعسفي بحق مواطنيها في رفح، في الذكرى الثامنة والخمسين لاجتياح الجيش الإسرائيلي لسيناء لأول مرة في 29 أكتوبر 1956.

.

عُقدت اتفاقية المعابر المجحفة قبيل انسحاب الاحتلال أحادي الأجانب، فانتهى أمر معبر صلاح الدين الواصل بين شطري رفح وبقي أمر معبر جنوب رفح معلقاً لغياب التمثيل الإسرائيلي في إدارته وفقاً للاتفاقية، فكان الحصار الأول. اجتاح الغزّيّون حدوداً لم تكن تتعدّى سوراً قصيراً وأسلاكاً شائكة، فانتشروا في ربوع رفح المصرية ومنها إلى العريش هاربين من شبح المجاعة والوباء. لم تلبث رياح الانتخابات التشريعية في 2006 أن أتت بما لا تشتهيه سفن السلطة الفلسطينية، صديقة نظام مبارك، وشريكة سلطة الاحتلال في التضييق على المقاومة وإدانة أعمالها. وقع الاقتتال الأهلي بين حماس وفتح بقيادة جهاز الأمن الوقائي الدحلاني، ثم حُسم الصراع عسكرياً بما أسمته فتح انقلاباً حمساوياً على سلطتها في 2007. اشتد الحصار الإسرائيلي على القطاع، وشاركت مصر فيه بإغلاق معبر رفح، فوقع الاجتياح الثاني أشد وطأة من سابقه، حتى انتشر الغزّيّون في ربوع شمال سيناء وارتفعت الأسعار ولم يجد سكان العريش سيارات الأجرة من شدة الطلب عليها.

.

تدخلت المخابرات العامة المصرية بقيادة الراحل عمر سليمان، فتم حلّ الأزمة باتفاقٍ غير رسمي على التوسع في حفر الأنفاق الواصلة بين شطري رفح لسد الاحتياجات الإنسانية العاجلة. انسحب الغزّيّون، وتم تعلية السور الحدودي وتحصينه، وعُدّل الملحق الأمني بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ليُسمح بنشر قوة محدودة من الجيش (750 عنصراً بتسليح خفيف) لأول مرة في هذه المنطقة منذ 1967. لم تمس الحكومة المصرية اتفاق المعابر، لكنها فتحت باباً خلفياً غير شرعي لاتقاء الوباء أو المجاعة في غزة، واستفادت منه كورقة ضغط دائمة وفعّالة على حكومة حركة حماس.

“قِدْرة الفول” بين مبارك والسيسي

اتبع نظام مبارك سياسة التنفيس عن قدرة الفول الجاري “تدميسه” بالحرارة والضغط، فتجنّب انفجارها بثقب غير معتاد (نفق) لعجزه أو لعدم رغبته في تحريك الغطاء (المعبر) قليلاً. ببرود معتاد من ناحيته، كان مبارك يتحدث في الإعلام بصراحة عن أن النفق الواحد له فتحتان، وأن من يريد إغلاق الأنفاق عليه أن يتحكم في الفتحات التي في جانبه قبل أن يطالب مصر بإغلاق الفتحات في جانبها. ولعلّ تصريحات قادة حماس التي أثنت على اللواء عمر سليمان، حتى بعد اندلاع الثورة المصرية وسقوط مبارك قد وجدت الآن ما يفسّرها، ويبدو أن نكتة دعم نظام مبارك للمقاومة لن تعود مضحكة بعد اليوم وستجد من يناقشها بجديّة بعدما اقترفه السيسي!

.

يعرف أهل العريش جيّداً قصة ضباط الأمن الوقائي الذين هربوا من غزة في زورق بتنسيق مع البحرية الإسرائيلية، فوصلوا ميناء العريش في صيف 2007، فأسلموا أسلحتهم الشخصية للسلطات المصرية واستقبلهم الجيش في معسكر “الكتيبة 101”. أقيمت لهم الخيام فرفعوا عليها علم فلسطين، فطُردوا من معسكر الجيش وانطلقوا في المدينة يستأجرون “الشاليهات” القريبة من البحر متمتّعين بحصانة أمنية كلاجئين. لكن في الوقت ذاته، يعرف أهل رفح جيّداً كيف أن كل ما تم تهريبه إلى غزة، بما في ذلك السلاح، كان بعلم السلطات المصرية، التي انتفع ضباط أجهزتها الأمنية المختلفة من تجارة الأنفاق أكثر مما استفاد أصحاب الأنفاق أنفسهم. يفسّر المحليون ذلك بأن نظام مبارك، على الرغم من شروره، إلا أنه لم يتخل عن حد أدنى من الحصافة جعله يدرك أن مصلحته تقتضي أن يترك للمقاومة مجالاً للدفاع عن نفسها، من دون تفوق نوعي، وأنه لو لم يتحكم في حجم ونوع السلاح المهرب إلى غزة فإن ذلك سيتم بدون علمه.

.

تجاوزت تجارة الأنفاق المواد الإغاثية من دواء وسلع تموينية رئيسية، وتوسعت لتشمل سلعاً تكميلية وأخرى ترفيهية. فأنشأت حماس وزارةً للأنفاق، وصرفت الرواتب للعاملين فيها، وفرضت الجمارك على البضائع المهربة منها، مع التشديد الصارم على مكافحة تهريب المخدرات. في الجانب المصري، علا صوت الشكوى من الأنفاق وتحميلها ما لا تطيقه من أسباب عن إخفاقات أمنية معقدة، لا ترتبط بها الأنفاق في كثير من الأحيان من قريب أو من بعيد. طرحت عدة أفكار لمواجهة مشكلة الأنفاق، مع الإصرار على عدم تحرير معبر رفح من خضوعه للهوي الإسرائيلي. كان من بين هذه الأفكار إقامة منطقة تجارية حرة محل الأحياء السكنية التي تحوي فتحات الأنفاق. تصدّر هذه الفكرة شلة رجال أعمال جمال مبارك، ولم يكن في حسبانهم أي إشراك لأصحاب الأراضي والعقارات المزمع تهجيرهم، فرفض الناس ولم ترحب المخابرات العامة، وسكنت الفكرة تجنباً لخوض صراع أهلي موسع ضد سكان رفح لم يكن ليخلو من مواجهات مسلحة.

.

أتى السيسي رأساً لانقلاب عسكري بعد عامين ونصف من طفرة هائلة شهدتها الأنفاق عقب سقوط مبارك، في عهدي كل من المجلس العسكري ومحمد مرسي. وعلى الرغم من حديثه الموثق بالفيديو لقادة الجيش عن عدم استعداد القوات المسلحة المصرية لمواجهة الإرهاب في سيناء بالقوة، وأن ذلك سيشكل خطراً لا يقل عما حدث في جنوب السودان ودارفور، لأن الجيش – وفق تعبيره – “آلة قتل”، إلا أنه قد خالف كل ما قاله وانطلق في حرب مسعورة في شمال سيناء، بعد ارتكابه المجازر بحق معارضين سياسيين في شوارع العاصمة. ويبدو أن موقفه قد بلغ من التأزم والهشاشة السياسية درجة عدم الاكتراث بانفجار قدرة الفول، التي لم يعد عابئاً بالتنفيس عنها.

 .

جريمة لا تسقط بالتقادم

انتشرت الهجمات على قوات الجيش والشرطة من شمال سيناء إلى جنوبها، ثم إلى الإسماعيلية على الضفة الغربية لقناة السويس، ومديريتيْ أمن الدقهلية في قلب الدلتا والعاصمة القاهرة، ثم وصلت إلى واحة الفرافرة في أقصى غرب مصر. وعلى الرغم من هذا الانتشار الواسع المرتبط بالحدود المفتوحة مع السودان وليبيا أكثر من ارتباطه بسيناء، إلا أن السيسي ترك كل هذا وأرجع جذور الإرهاب في مصر إلى مجاورة قطاع غزة بطول 14 كيلومتر، مع تجنب أية إشارة لأي خطر محتمل من مجاورة الأراضي الفلسطينية المحتلة بطول أكثر من 180 كيلومتر.

.

اجتمع مجلس الدفاع الوطني برئاسة السيسي مساء الجمعة 24 تشرين أول / أكتوبر المنصرم عقب هجوم “كرم القواديس” شرق العريش، الذي أسفر عن أكثر من 50 قتيلاً ومصاباً في صفوف الجيش، ثم أعقبه اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة صباح السبت التالي. خرج السيسي في حديث تليفزيوني ليتهم أيادٍ خارجيةً لم يسمّها، ويعلن التصعيد من أجل علاج هذه المشكلة من جذورها، ذاكراً قطاع غزة وقاصداً بذلك مشكلة الأنفاق. أُعلنت حالة الطواريء في المنطقة الشمالية الشرقية من سيناء (العريش والشيخ زويد ورفح والقرى التابعة)، كما تم تقنين حظر التجوال المطبق فعلياً منذ أكثر من سنة. وانطلقت في وسائل الإعلام حملة منهجية شعواء تطالب بتهجير أهل سيناء لتسهيل الحرب المزعومة على الإرهاب.

.

لم يشر الإعلام الموالي للسلطة إلى إصابة قيادتين رفيعتين من قيادات الجيش الثاني الميداني في الهجوم الأخير، وبالتالي لم يتساءل أحد عن الاختراق الاستخباراتي لصفوف الجيش بحيث تستطيع جماعة “أنصار بيت المقدس” تحديد الزمان والمكان الأنسب لخططها. ولم يتجرأ أحد أن يجهر بالتساؤل في تلك المنابر عن الإجراءات التي ينبغي أن تتخذ حينما تقع هجمات مسلحة أخرى بعد تنفيذ التهجير القسري التعسفي، سواء في سيناء – كما حدث بالفعل – أم خارج سيناء. صدر القرار مخالفاً لدستور 2014 الذي وضعته لجنة موالية بالكامل لسلطة انقلاب 3 يوليو / تموز، وضرب بالمادة 63 عرض الحائط وشرع الجيش في تنفيذ تهجير قسري تعسفي بحق سكان الشريط الحدودي من رفح يوم 29 أكتوبر / تشرين أول المنصرم.

.

يعلم الجميع أن أنفاق رفح كانت ممراً لسلع تجارية كثيرة، وكان من بينها السلاح العابر من سيناء إلى غزة، لكن السيسي يريد أن يقنعنا بخلاف المنطق أن غزة هي مصدر السلاح إلى سيناء. ويعلم أهل سيناء جيداً أن أعضاء الجماعات المسلحة آمنون بعيداً عن الشريط الحدودي في جنوب الشيخ زويد بين أطلال قرىً دمرها الجيش ولم يعد يدخلها، لكن التعتيم الإعلامي الذي يمارسه الجيش بلا هوادة يريد أن يضلل الرأي العام ليتوه بين مجاهل الجغرافيا. تزعم الحكومة المصرية أن تهجير أكثر من 1150 أسرة (ما يقرب من 10 آلاف فرد) وهدم منازلهم وتشريدهم بدون خطة إخلاء منظمة لإقامة منطقة عازلة إنما هو ضرورة لدواعي الأمن القومي المصري، وليس من أجل التنسيق الأمني الإقليمي مثلاً، ويأبى التوقيت إلا أن يربط بين العدوان الإسرائيلي على سيناء في 1956، وبين عدوان السلطة المصرية الصديقة لهم، المعادية لشعبها، على أهل سيناء في اليوم نفسه من الشهر الذي كان أهم ما يميّزه انتصار العاشر من رمضان بالتوقيت الهجري. أما مشاهد التهجير فلم يكن في الذاكرة المعاصرة لأهل سيناء من المصريين واللاجئين الفلسطينيين أبلغ من وصفها بالنكبة، فصار 29 أكتوبر / تشرين أول هو تاريخ العدوان الصهيوني القديم ونكبة رفح الحديثة بوكالة النظام المصري عن حلفائه الإقليميين.

Posted by: Ismail Alexandrani | أكتوبر 26, 2014

فرض الطواريء جزئياً في سيناء .. ما الجديد؟

قبضة السيسي

كلمة السيسي التليفزيونية عقب اجتمعه مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة – في الصورة من (أ ف ب)

نص مقالي المنشور في موقع المدن يوم السبت 25 أكتوبر 2014 بعنوان “سيناء: “استخلاص الدروس المستفادة” من الفشل المتكرر”، على الرابط:

http://www.almodon.com/arabworld/65476c61-3c67-4109-a298-4320b4abb34c

فوجيء المتابعون للشأن المصري بتسارع تحديثات الأخبار الواردة من شمال سيناء أمس الجمعة حتى استقر العدد النهائي لقتلى الجيش عند 33 جندي، وارتفاع عدد المصابين إلى 26. بالتزامن، انعقد مجلس الدفاع الوطني برئاسة عبد الفتاح السيسي لمناقشة “مواجهة الإرهاب”، وصباح اليوم انعقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمتابعة القرار الرئاسي الذي فرض حالة الطواريء في المنطقة الحدودية من شمال شرق سيناء. خرج الاجتماع العسكري رفيع المستوى بتكليف لجنة من كبار قادة القوات المسلحة مهمتها هي “دراسة ملابسات الأحداث الإرهابية الأخيرة بسيناء واستخلاص الدروس المستفادة”، وتقرر عقد جلسة مشتركة مع قيادات هيئة الشرطة المدنية عصر اليوم السبت لتنسيق الجهود والمهام.

.

يبدو ما سبق منطقياً لو حدث منذ سنة، لذلك فإن وصفه بالكوميديا السوداء لن يكون من قبيل المبالغة. فبعد أكثر من سنة كاملة من إصدار قرار رئاسي باعتبار محافظة شمال سيناء أرض عمليات عسكرية، وبعد بدء العمليات العسكرية الموسعة في 7 سبتمبر / أيلول 2013، وما تلاها من تطورات كثيرة متعاقبة، يقرر الجيش المصري تكليف لجنة “لاستخلاص الدروس المستفادة”.

.

وقعت معركة الأمس في نقطة تفتيش ثابتة في كرم القراديسي، عند تقاطع طرق في جنوب الطريق الدولي الساحلي الواصل بين مدينتي العريش والشيخ زويد. تقول المصادر المحلية إن نقطة التفتيش تلك تعتبر معسكراً مصغراً يضم عددا كبيراً من الجنود وبعض المدرعات والخيام. ويبدو أن القوات المرابطة هناك كانت على درجة من التراخي جعلت منهم صيداً سهلاً للمهاجمين، المرجح انتماؤهم لجماعة “أنصار بيت المقدس”. أما العدد الكبير في القتلى والمصابين فقد وقع بسبب الكمين الذي نصبه المهاجمون لقوات الإمداد والإسعاف.

.

يرى كثير من المتابعين في عمليتيْ الأمس نقلة نوعية في الوضع الأمني في مصر عموماً، وفي شمال سيناء خصوصاً، لكن المحليين ينفون وجود أي اختلاف مما اعتادوه على مدار 15 شهراً، إلا في كثافة عدد من سقطوا في مكان واحد في يوم واحد. تقول المصادر المحلية، التي تحرص على إخفاء هوياتها، إن أسبوعاً لا يمر من دون وقوع خسائر في صفوف الجيش والشرطة في شمال سيناء، سواءً من الأرواح والمصابين أم المعدات. أما على المستوى الكيفي، فإن هجوم الأمس لا يعتبر نقلةً نوعية عن إسقاط مروحية عسكرية مقاتلة بيد ميليشيا لأول مرة في التاريخ العسكري المصري في مطلع العام الجاري، كما لا يمكن اعتباره تقدماً عن تفجير مقر المخابرات العسكرية في رفح في سبتمبر / أيلول 2013.

.

قد يكون عدد القتلى والمصابين بالأمس هو الأكبر في سجل مواجهات الجيش في سيناء، لكنه غير مستغرب بسبب تكرار الأخطاء التكتيكية التي يقع فيها الجيش منذ أكثر من سنة. لا يزال الجنود يتحركون أحياناً في إجازاتهم بدون حراسة، فيتم اختطافهم وتصفيتهم جماعياً مرةً بعد مرة. ولا تزال القيادة العسكرية مصممة على تقنيات الحروب النظامية بالاعتماد على قوات المشاة والمدفعية والطيران، ما يوقع ضحايا كثيرين من المدنيين من دون تأثير فعليّ على أوضاع الجماعات المسلحة، فضلاً عن الخسائر غير المجدية أمنياً في المنازل والمزارع والمصالح الاقتصادية والتعليمية.

.

تصاعدت في وسائل الإعلام هيستيريا تدعو إلى التهجير الجماعي القسري للسكان من المنطقة المشتعلة في شمال شرق سيناء مع احتفاء بقرار فرض حالة الطواريء وحظر التجوال. يقول الصامدون في التجمعات السكانية الكبيرة إنهم لن يرحلوا عن أراضيهم إلا في حافلات تعيد إنتاج مشاهد النكبة الفلسطينية كي تتضح الصورة بدون رتوش، لكن أعضاء المجتمعات السكانية الأصغر في المناطق المنكوبة من سيناء فإنهم هجروا أطلال منازلهم المدمَّرة بالفعل وسكنوا بيوت الشعر على حواف العريش وإلى الغرب منها في طريق بئر العبد.

.

فُتحت المباكي على إجرام الإرهابيين الذين لم يتورعوا عن قصف سيارات الإسعاف التي تحمل المصابين، لكن الذاكرة القريبة لا تزال تحتفظ ببيانات الجيش التي تتفاخر بقصف مستشفيات ميدانية. وبغض النظر عن كونها وحدات صحية حكومية، فإن المهم هو تفاخر جيش نظامي بارتكاب جريمة حرب وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية. أما حظر التجوال وفرض حالة الطواريء فلم يكن فيها إضافة عن الأمر الواقع سوى التقنين. انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي مؤخراً صورة قرار إداري من مرفق الإسعاف معلق في مدخل مستشفى الشيخ زويد يزجر المواطنين عن الاتصال بالإسعاف بعد الساعة الخامسة بسبب رفض السلطات الأمنية توفير الحماية لسيارات الإسعاف. بعد القرار الأخير، يبدو أن الأمل القانوني الوحيد في توفير حل إغاثي للمرضى والحوامل قد تبدد بسبب انشغال القيادة الأمنية المصرية بــ “استخلاص الدروس المستفادة” من الفشل لأكثر من سنة.

 

Posted by: Ismail Alexandrani | سبتمبر 10, 2014

عن أسبوع الجيش الذي لم ينته منذ سنة

آثار تدمير المدرسة الإعدادية المبنية بالجهود الذاتية في قرية "اللفيتات" يوم الجمعة 13 سبتمبر - التقطت الأحد 15 سبتمبر 2013

آثار تدمير المدرسة الإعدادية المبنية بالجهود الذاتية في قرية “اللفيتات” يوم الجمعة 13 سبتمبر – التقطت الأحد 15 سبتمبر 2013

نص مقالي المنشور في موقع مصر العربية يوم الأربعاء الموافق 10 سبتمبر 2014 على الرابط:

http://goo.gl/Ox2RYr

فجر السبت الموافق 7 سبتمبر 2013، أي في مثل هذا الأسبوع من السنة الفائتة، بدأت العمليات العسكرية الموسعة في شمال سيناء بقيادة اللواء أحمد وصفي، القائد السابق للجيش الثاني الميداني، مع وعدٍ منه بتسليم شبه الجزيرة طاهرة من الإرهاب ومتوضئة في غضون أسبوع.

.

في أحد التجمعات السكنية البدوية بين قريتي “المقاطعة” و”المهدية” جنوب مدينة “الشيخ زويد”، تفاءل أبناء إحدى العائلات المعروفة بتاريخها المشرف في التعاون مع المخابرات العسكرية المصرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، واستبشروا خيراً بالحملة الأمنية التي اقتربت من منازلهم. قالوا لأنفسهم إن الحملة قد انطلقت من أجل مطاردة الجماعات المسلحة والإرهابيين، فأفرطوا في حسن ظنهم وتهيأوا لضيافة القوات والترحاب بهم، فأعدّوا الشاي واستعدوا لتقديم الذبائح إذا استجاب القادة لدعوتهم. لكن القوات، التي تحركت مع قطع كامل لشبكات الاتصالات الأرضية والمحمولة والإنترنت، لم تترك لهم مجالاً للتعبير عن الاحتفاء بهم. فإذا بأحد كبارهم يُــقتاد من سيارته الخاصة، ويجري تفتيشه بشكل مهين، ثم يؤمر بتركها والذهاب إلى منزله مترجّلاً، وحين يهم بالحركة يراها تُحرق أمام عينه تحت وابل من الرصاص يستهدف خزان الوقود، من دون أي سبب أو ذريعة.

.

وصلتُ إلى العريش بنهاية اليوم الثالث من العمليات، كجانب من توثيقي المهني للأغراض الحقوقية والصحفية. وفي مثل هذا اليوم، العاشر من سبتمبر، بدأت جولتي الميدانية في المنطقة الحدودية، حيث رأيت من الأهوال ما لم تــرَ عيني من قبل، وما لم تسمع به أذني أنه تم على أرض مصرية بأيدي مصرية، لا بسلاح جيش الاحتلال المجرم الذي قصف مدن القناة ونواحي القاهرة في القرن الماضي. لم يكن قد مضى على بدء العمليات الموسعة سوى ثلاثة أيام، لكني رأيت في اليوم الرابع عشرات المنازل المدمرة بالطيران الحربي والدبابات، ومئات أشجار الزيتون المقتلعة، ومئات المشردين من منازلهم ومن العشش وبيوت الشعر التي تقول بيانات المتحدث العسكري إنها مخازن سلاح.

.

للوهلة الأولى، لم يكن لي سوى مواقع التواصل الاجتماعي أكتب عبْرها بعد عودة الشبكات، فتلقف مناهضو الانقلاب العسكري ما أكتب بالترحاب وساعدوا في نشره على نطاق واسع ظناً منهم أن ما أنقله سيفيدهم في حراكهم الساعي لإسقاط الانقلاب. وعلى الناحية المقابلة، تعرضت لحملة شعواء من السباب والتخوين والتصنيف والوصم بدعوى أني أدعم الجماعات الإرهابية أو، على لأقل، أني لست وطنياً لأني ضد ما يفعله الجيش.

.

امتنعتُ عن المداخلات الهاتفية مع القنوات الفضائية طيلة وجودي في سيناء، وذلك لتفادي ما تعرض له الزميل أحمد أبو دراع من محاكمة عسكرية بسبب مداخلة أجراها مع أحد البرامج الحوارية المصرية، حيث نفى فيها الرواية غير الصحيحة التي صرح بها المتحدث العسكري، ونقَل حقيقة ما رأته عيناه في قريته “المقاطعة” قبل بدء العمليات الموسعة بعدة أيام. مرّ الأسبوع الذي وعد به أحمد وصفي، وتلاه أسابيع وشهور، من دون أن تتطهر سيناء أو تتوضأ من الإرهاب. كانت حصيلة الأسبوع الأول هي مقتل أربعة أطفال وسيدتين داخل منازلهم في قرية “اللفيتات“، كما قتل شاب من القرية نفسها دهساً بالمدرعة، وقتلت امرأة مسنة في منزلها بقرية “الظهير”، بالإضافة إلى رجل أعزل كان عائداً من المسجد إلى منزله. أما الجماعات المسلحة، فكان ردها هو استهداف مبنى مكتب المخابرات الحربية في رفح بتفجير ضخم اهتزت له جنبات المدينة، حيث كاد قائد المكتب أن يُستشهد في تلك العملية التي تم تنفيذها يوم 11 سبتمبر. وفي اليوم ذاته، أصدرت جماعة “أنصار بيت المقدس” بياناً تستعرض فيه الخسائر التي أوقعتها في صفوف القوات النظامية مؤكدةً أنه لم يقتل من عناصرها سوى عضو واحد نفد منه الوقود، فترجّل من سيارته واشتبك، فقتل جنديين قبل أن تقتله القوات.

.

في الشهر التالي، كنت أتابع التطورات الميدانية في شمال سيناء وإذا بأنصار بيت المقدس يستهدفون مديرية أمن جنوب سيناء يوم 7 أكتوبر 2013، كما استهدفوا مبنى المخابرات العسكرية في مدينة الإسماعيلية في الشهر ذاته قبل مرور أسبوعين. وأثناء زيارتي التالية في الشهر الذي يليه، استهدفوا حافلة جنود على الطريق الدولي فقتلوا أكثر من عشرة جنود، وبثوا تسجيلاً مرئياً يوثق هذه العملية لاحقاً. وقبل أن ينتهي عام 2013، استهدفوا مديرية أمن الدقهلية في مدينة المنصورة. ومع مطلع السنة الجديدة قاموا في يناير بثلاثة عمليات نوعية؛ حيث تحدوا الأهداف الأمنية الإقليمية للعملية العسكرية الموسعة (الحرب) فاستهدفوا “أم الرشراش” (إيلات) بأكثر من صاروخ جراد، واستهدفوا مديرية أمن العاصمة، استجابةً لدعوة وزير الداخلية حين قال: “اللي عايز يجرب يقرّب”، فاقتربوا وجرّب هو. وأخيراً، اختتموا الشهر بإسقاط مروحية عسكرية وقتل طاقمها لأول مرة في تاريخ الجيش المصري، الذي لم تسقط له طائرة مقاتلة من قبل إلا بنيران جيوش نظامية، لا ميليشيا.

.

خفتت الأخبار الواردة من سيناء لفترة، بسبب التضييق الأمني الشديد الذي طاول الباحثين الحقوقيين والصحفيين المصريين والأجانب، لكن متابعة الأخبار مع أهلنا من سكان المنطقة الحدودية كانت تؤكد بأن الأوضاع تزداد سوءًا. وفي أغسطس المنصرم وحده، نشر “أنصار بيت المقدس” تسجيلات مرئية توثق إقامتهم صلاة عيد الفطر في الخلاء مدججين بالسلاح المتوسط والثقيل، كما تظهر نسفهم ثلاثة مقرات خالية تابعة لسلاح حرس الحدود غرب الشيخ زويد، بالإضافة إلى لقطات حية لتصفية أربعة جنود بين الشيخ زويد ورفح وجندي خامس في أحد شوارع العريش. بثوا لقطات توضح مسؤوليتهم عن عملية الفرافرة في الجنوب الغربي من مصر، كما أذاعوا اعترافات عملاء لأجهزة الاستخبارات الصهيونية قبل أن يذبحوهم على الطريقة الداعشية ويلقوا بجثثهم مفصولة الرؤوس نواحي منازل ذويهم. في مطلع الشهر الجاري استهدفوا مدرعة على الطريق الساحلي بين الشيخ زويد ورفح فقتلوا ضابطاً وعشرة جنود، وفي الأسبوع ذاته استهدفوا مدرعة أخرى في منطقة المزرعة جنوب العريش فقتلوا فرداً وأصابوا خمسة.

.

لا يوجد حصر موثوق لأعداد القتلى من أي طرف؛ لا في صفوف الجيش ولا المدنيين ولا أعضاء الجماعات المسلحة الذين يؤكد السكان المحليون أن أكبر عدد قد قُتل منهم في يوم واحد لم يتجاوز أصابع اليدين، وهو ما يخالف تماماً ادّعاءات المتحدث العسكري، السابق والحالي، التي لو خاطرنا بجمع الأرقام الواردة فيها فقد نصل إلى أرقام من القتلى والمعتقلين تفوق عدد السكان المحليين في قرى المنطقة الحدودية من شمال سيناء. وعلى الرغم من نجاح القوات النظامية في تصفية القائد العام لأنصار بيت المقدس، توفيق محمد فريج، في شهر مارس من العام الجاري، إلا أن هذا النجاح النوعي لم يؤثر في قدرات الجماعة على مدار الشهور التالية. أما النكتة الكبرى فهي تكرار نشر أخبار مقتل شادي المنيعي القيادي في التنظيم عدة مرات، وفي كل مرة يخرج على الملأ في شوارع الشيخ زويد لينفي تلك الأخبار. أحياناً يلجأ شادي إلى لعب الكرة وسط شباب قريته “المهدية” لإيصال رسالته، وفي أحيان أخرى يلجأ إلى الظهور بوجهه في تسجيلات مرئية، حيث يقرأ أمام الكاميرا أخبار مقتله في الجرائد مستهزئاً بها.

.

وقع الناس بين مطرقة الجيش وسندان الجماعات المسلحة، في حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل. فقدوا بهجة الحياة، حيث عُطّلت أشغالهم ومدارس أبنائهم، ودُمّرت الوحدات الصحية الحكومية بحجة استخدامها كمستشفيات ميدانية للإرهابيين، واعتقل العشرات من الأسواق والشوارع، وأضحى الناس على موعد صباحي مع الجثث الملقاة في الشوارع، إمّا مهلهلة من آثار التعذيب في مراكز الاحتجاز غير القانونية، وإما مفصولة الرأس تحت دعوى التخلص من جواسيس الموساد على يد الجماعات. ألِفَ الأطفال أصوات الرصاص، وعرف المراهقون كيف يفرقون بين أنواع الذخائر وأحجام السلاح من صوت القذائف، واسترجع الشيوخ ذكريات الحروب القديمة والاحتلال، وعقدوا مقارنات مؤسفة فاز فيها الجيش الوطني على جيش الاحتلال في مقدار البشاعة والعقوبات العشوائية الجماعية.

.

نزح المئات هاجرين حطام منازلهم وأطلال قراهم، وهرب الشباب من جحيم العيش الكريه تحت زخات الرصاص واحتمالات التهلكة البدنية، لكنهم لم يسلموا من الخسارة النفسية الفادحة حيث ارتحلوا. كتب الأديب السوداني، الطيب صالح، روايته الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال”، لكن أهل سيناء يعيشون الآن فصول روايتهم المغمورة “موسم الهجرة إلى الغرب”. فمن استطاع أن ينجو من رفح والشيخ زويد إلى العريش لم يتردد، ومن وجد إلى الإسماعيلية طريقاً لم يتأخر عنه، ومن شق دربه إلى القاهرة أو إلى مطارها لم يتراجع. أما فقراء البدو الذين لا حيلة لهم، فقد ارتحلوا إلى الصحراء بين العريش وبئر العبد حيث يقيمون الآن في عشش وبيوت شعر شبيهة بما أحرقته قوات الجيش تحت دعوى أنها مخازن سلاح.

.

سنة كبيسة من الفشل والظلم والقمع والقهر والعقوبات العشوائية الجماعية والانتهاكات الفادحة، هكذا عاشها أهل سيناء ومن عايشهم. أما بالنسبة للجيش الثاني الميداني، الذي استُبدل قائدُه وصفي بقائد أركانه السابق محمد فرج الشحات، فإن الأسبوع لم ينقضِ بعد، وربما يكون لم يبدأ من الأساس. وغالباً العيب فينا لأننا لا نحسن العد، فلربما كان يقصد أسبوعاً من السنوات العجاف!

.

Posted by: Ismail Alexandrani | سبتمبر 6, 2014

التصعيد في سيناء بين المعلن والمسكوت عنه

العقيد محمد سمير – المتحدث العسكري الجديد

تحليل إخباري منشور على موقع المدن يوم الجمعة 5 سبتمبر 2014 على الرابط:

http://www.almodon.com/arabworld/e5451cb3-74aa-466c-be14-bdae196bf51c

في بادرة غير مسبوقة، نشرت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري المصري على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” الأمس الخميس صوراً بشعة واضحة المعالم لقتلى، تقول الصفحة إنهم قد قضوا في اشتباكات مسلحة مع قوات الجيش في شمال سيناء، واصفةً إياهم بــ “العناصر التكفيرية شديدة الخطورة”. يأتي ذلك بعد ساعات قليلة من نشر جماعة “أنصار بيت المقدس” مقطعاً تسجيلياً توثق فيه استهداف مدرعة تابعة للشرطة بإصابة مباشرة بواسطة عبوة ناسفة تم زرعها في منطقة الوفاق ناحية رفح على الطريق الساحلي الدولي وتفجيرها عن بعد. وهي الحادثة التي لقيت من يذكرها على نطاق واسع في وسائل الإعلام بسبب النعي الرسمي الذي أصدرته وزارة الداخلية لضابطٍ وعشرة جنود قتلوا في تلك العملية الثلاثاء الماضي، كما أصيب جنديان آخران، في حين غفل الإعلام الحديث عن مقتل جندي برتبة رقيب في حي العبور بمدينة العريش يوم الأربعاء.

.

وجهت بعض الانتقادات للمتحدث العسكري بعدم توثيق ادعاءات صفحته الرسمية بالصور، خاصة حين يزعم مقتل أعداد كبيرة ممن يسميهم التكفيريين في اليوم الواحد، وهو ما يقول المحليون إنه مجافٍ للحقيقة وأن الجيش لم يسبق له قتل العشرات من الجماعات المسلحة في يوم واحد. وعلى الرغم من وضوح الصور وبشاعتها، إلا إن التحقق من ادعاءات المتحدث العسكري المرفقة بها يظل بعيد المنال. فالصور الفوتوغرافية تظهر خمس جثث، في حين أن البيان يتحدث عن أكثر من ثلاثة أضعاف هذا العدد، فضلاً عن وجود شبهات حول ملابسات التصوير بعد وقت من حدوث الاشتباك، الذي لم يصور بالفيديو.

.

يحرص الجيش، على عكس الشرطة، على تجنب الحديث عن خسائره اليومية في صفوف جنوده وضباطه. يقول محللون إن ذلك بسبب الخشية على معنويات المجندين إجبارياً، الذين قد يهربون بسبب الخوف، ويرى آخرون أنه بسبب الحفاظ على الصورة العامة للجيش أمام الرأي العام وعدم إظهاره في موقف عجز أو فشل في حربه الممتدة منذ من سنة في سيناء. أياً كان الدافع وراء ذلك، فإن حجب هذه المعلومات لا ينطبق على المجتمع المحلي في سيناء الذي اصطلى بنيران هذه الحرب فطاول رصاصها العشوائي عشرات الأبرياء، ونسفت المنازل وحرقت العشش، وجرفت المزارع، واقتلعت الأشجار، وعطلت الأسواق، وقطعت الاتصالات، ومنعت سيارات الإسعاف، وقصفت المشافي والمدارس.

.

توقف الناس عن حصر أعداد الجثث، فضلاً عن تصنيفهم إيّاها بين جنود القوات النظامية وضباطها وبين جثث أعضاء الجماعات المسلحة من سيناء ومن خارجها وبين جثث الأبرياء والمجهولين. لا يكاد يمر يوم واحد دون سقوط ضحايا جدد، قتلى أو مخطوفين أو مصابين أو معتقلين عشوائياً أو معذبين. لكن الجديد، الذي لا تتناوله وسائل الإعلام بسبب التعتيم العسكري الصارم، هو استعراض “أنصار بيت المقدس” قوتهم ميدانياً بإقامة نقاط تفتيش، يزعمون أنهم يبحثون فيها عن عملاء للصهاينة أو متعاونين مع الجيش المصري ضدهم، لكنهم يمارسون فيها قدراً كبيراً من الاستقواء على عامة الناس.

.

قبل أسبوع، أصدر “أنصار بيت المقدس” تسجيلاً مرئياً بعنوان “هم العدو فاحذرهم” يوثقون فيه قيامهم بذبح أربعة من سكان المنطقة الحدودية في شمال سيناء على الطريقة الداعشية بعد تسجيل اعترافاتهم بالتعاون مع جهاز الموساد الإسرائيلي ضد الجماعات الجهادية. انصرف المعلقون إلى ربط طريقة الذبح بالولاء المحتمل بين “الأنصار” و”داعش”، لكنهم أغفلوا أن أول ذبح لعميل تم في صيف 2012 في سياق تورط ثلاثة جواسيس من البدو في تسهيل اغتيال الموساد لإبراهيم عويضة، أحد كوادر “الأنصار” المشاركين في عملية “أم الرشراش” (إيلات) الكبرى. وفي 2013 أيضاً سجل “الأنصار” اعتراف جاسوس آخر قبل أن يقتلوه ويرموا بجثته ناحية منازل قبيلته، دون أن يكون لذلك أية علاقة بــ “داعش”.

.

يزداد نفوذ “الأنصار” ميدانياً يوماً بعد يوم من دون أن تستطيع قوات الجيش منعهم من إقامة صلاة العيد في الخلاء مدججين بالسلاح، ثم تدمير ثلاثة مقرات خالية تابعة لسلاح حرس الحدود بعد عدة أيام، فضلاً عن اصطياد الجنود وتصفيتهم جهاراً نهاراً، وأخيراً إقامة نقاط التفتيش المسلحة جنوب الشيخ زويد في طريق الجورة وقرية الظهير وفي رفح. وردت الأنباء عن هروب سيارة تحمل مجموعة من “الأنصار” قبل أن يستطيعوا توزيع بيان التهديد والاستتابة الموجه لعملاء الصهاينة في أراضٍ تابعة قبيلة الترابين، لكن ذلك لا ينفي قدرتهم على توزيع المنشور الذي يضم أسماء تسعة ممن قتلوهم بدعوى العمالة والجاسوسية في أراضي قبيلتي السواركة والرميلات. مستجداتٌ كثيرةٌ وتصعيدٌ في تأزم الموقف لا يسمع عنه أهل وادي النيل سوى ما يختار طرفا الصراع الإفصاح عن بعضه، أما رواية عموم الناس المطحونين بين شقي الرحى فتظل سرديات مؤجلة، لأجل غير مسمىً.

.

Posted by: Ismail Alexandrani | أغسطس 31, 2014

المجاهدة فرحانة ماتت زعلانة

مقال رأي منشور في موقع مصر العربية يوم الأحد الموافق 31 أغسطس 2014 على الرابط:

http://goo.gl/os1t6l

قبل نحو ثلاثة أسابيع أتاني خبر رحيلها فعزمت أن أكتب عنها مقالاً لتذكير القاريء بواحدة من أعظم مجاهدات سيناء. ولمدة ثلاثة أسابيع عجزت عن كتابة ما يليق بها، بل عجزت عن الهروب بكتابة أي مقال آخر. يحضرني جلال لقاءاتي بها حيث لم أكن سعيد الحظ بما يكفي لأستمع إليها طويلاً، كانت مريضة في أواخر عمرها، ولم تكن تسمع جيداً، وكانت تواجه صعوبة في حَكْي ذكرياتها وبطولاتها. حياؤها البدوي، الذي ألزمها بتغطية وجهها عن الرجال الغرباء في أعمار أحفادها، لم يمنعها من افتخارها بشهادات التقدير والقلادة التي حصلت عليها من القوات المسلحة تكريماً لأدوارها الفدائية الفريدة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في سيناء.

.

لم يقتصر دور الحاجة فرحانة، شيخة مجاهدات سيناء، على الدعم المعلوماتي للمخابرات الحربية المصرية، بل كان لها دور عملياتي مهم، فكانت بطلة عملية تفجير قطار السلاح والذخيرة الذي كان متجهاً لإمداد قوات العدو على خط السكة الحديد الواصل بين غزة والعريش آنذاك. وكانت “أتواب” القماش التي تتاجر فيها هي وسيلة إخفاء الخرائط والرسائل السرية بين عملاء المخابرات الحربية في المنطقة الحدودية وبين ضباط الجهاز في مقر قيادته بالقاهرة.

.

يحضرني جلال لقاءاتي بها، كما تحضرني مرارة القهر حين رأيتها لأول مرة وعرفت بالرقم الهزيل الذي تتلقاه كمعاش بعد هذه الرحلة الطويلة من الكفاح والنضال المشرف. سقطت ذات مرة فكسرت عظام رجلها، وحين ذهب أولادها إلى مستشفى القوات المسلحة لتتلقى حقها في العلاج على نفقة المؤسسة التي خدمتها قديماً، أخبروهم بأن اسمها ساقط من سجلات المجاهدين والمجاهدات. أحضروا شهادات التقدير والدرع النحاسي والقلادة، لكنهم طولبوا بدفع قيمة العملية الجراحية مقدماً، فنقلوا أمهم إلى مستشفى آخر أقل تكلفةً وعالجوها على نفقتهم الخاصة.

.

إحساس لا يوصف ولا يمكن التعبير عنه يداهمك حين تستمع إلى ذلك كله جالساً على حصيرة في منزل بسيط لأحد أبنائها حيث لا يمكنها العيش وحدها في منزلها الأكثر بساطة، ثم يُقضى عليك تماماً حين تجدها بعد ثلاثين سنة من تحرير سيناء لا تطمح في شيء سوى زيارة بيت الله الحرام، حاجةً أو معتمرة. فحتى العمرة لم يتذكرها بها الجيش الذي قدمت له ما لم يقدمه أي من القيادات الحالية في آخر حرب نظامية خاضها لتحرير الأرض.

.

جمعني بها أول لقاء في نهاية 2011، والتقيت بها عدة مرات لاحقة، إحداها في طريقها للمطار متجهة للعمرة على نفقة بعض أهل الخير. أما آخر لقاء فكان في منزل ابنها في مدينة الشيخ زويد بعد بدء العمليات العسكرية الموسعة ضد الجماعات المسلحة السنة الماضية. وقعت قوات الجيش المصري في أخطاء جسيمة وانتهاكات فادحة طاولت أرواح الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال، ومنازلهم، ومزارعهم، وسياراتهم ودراجاتهم البخارية، فما كان من الحاجة فرحانة إلا أن قالت الكلمة التي كنت أخشى سماعها. قارنت الحاجة فرحانة، كما فعل كل من عاصر عهد الاحتلال في سيناء، بين ممارسات جيش الاحتلال ضد السكان المحليين وبين ممارسات الجيش الوطني ضد المواطنين، ولم تكن المقارنة في صالح الجيش الوطني، للأسف الشديد. كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل المطلوبين وحدهم وتستميل عموم البدو بحسن المعاملة، أما القوات النظامية المصرية، سواء شرطة مبارك أو جيش السيسي، فيبدو أنها غير مكترثة بذلك، فالاعتقال يطال المطلوب وأقارب المطلوب وجيرانه وأصدقاءه وكل المشتبه بهم، وسوء المعاملة هو الأصل إلى أن يثبت ما يستدعي العكس. وأما عن العقوبات الجماعية العشوائية فحدث بلا حرج عن الرصاص الاحترزاي والقذائف غير المصوبة تجاه أهداف محددة فتزهق أرواح الأطفال والنساء، وحدث أيضاً عن نسف المنازل، وحرق المزارع، وتدمير السيارات، وقطع الاتصالات، ومنع سيارات الإسعاف، واترك القوس مفتوحاً بلا نهاية ..

.

يرحل جيل المجاهدين، ويخلفهم في سيناء جيل أرعن من الجهاديين ينتسبون للمجاهدين القدماء دماً ومصاهرةً وجيرةً، ويفارقونهم فكراً وتوجهاً وأسلوباً، فيقتتلون مع جيل من قادة الجيش لم يعرف الحروب النظامية كما عرفها أسلافه. تصعد أرواح المجاهدات إلى بارئها، شاكيةً إليه اقتتال أبناء البلد الواحد، بعد أن تاه معنى العدو وغاب معنى الشريك ..

.

ولدت فرحانة حسين سلامة زرعي يوم الجمعة الموافق 4 سبتمبر 1925 (15 صفر 1344 هجرياً)، وصعدت روحها إلى بارئها فجر الإثنين الموافق 11 أغسطس 2014 (14 شوال 1435 هجرياً) عن عمر يناهز 89 سنة ميلادية، وأكثر من تسعين سنة هجرية.

.

Posted by: Ismail Alexandrani | أغسطس 27, 2014

هل تطل “داعش” بذيلها في سيناء؟

مقالي التحليلي المنشور على موقع جريدة البديل يوم السبت 23 أغسطس 2014 على الرابط:

http://goo.gl/IfYgAz

فيديوهات شوّال تكشف ارتباطات “أنصار بيت المقدس” الإقليمية

أبو أسامة المصري يدعو لــ “داعش” في خطبة العيد .. وكلمة من مفتي القاعدة في اليمن للجندي المصري

ذبح خمسة مدنيين في محيط الشيخ زويد ..

ولقطات لعملية “الفرافرة” تثير التساؤل حول امتدادهم في الشرق الليبي

إسماعيل الإسكندراني

.

لم يتوقف تلاحق الأحداث في سيناء منذ بدء المواجهات العسكرية المفتوحة بين الجيش والجماعات المسلحة على مدار سنة كاملة، لكن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيداً غير مسبوق من جماعة “أنصار بيت المقدس”، ما ينذر بتدهور كبير في الوضع الأمني بالمنطقة الحدودية من شمال سيناء. ومع التعتيم الإعلامي الشديد الذي تمارسه الأجهزة الأمنية وصعوبة العمل الميداني للصحفيين، تنحصر المادة الإعلامية المتوفرة عما يجري في سيناء بين ما يصدره المتحدث العسكري عبر صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك” وما تدلي به المصادر الأمنية للصحف والقنوات ووكالة الأنباء الرسمية، وبين الإصدارات المرئية التي تبثها “أنصار بيت المقدس” عبر موقع “يوتيوب” وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي.

.

منذ انقضاء شهر رمضان، بث “أنصار بيت المقدس” ثلاثة تسجيلات مرئية حملت رسائل ودلالات مهمة. ففي ثالث أيام عيد الفطر نشرت تسجيلاً لخطبة العيد التي ألقاها متحدثهم “أبو أسامة المصري” في الخلاء في حشد من الأعضاء الملثمين المحاطين بحراسٍ يحمونهم بالسلاح الثقيل والمتوسط. وبعد أسبوع، نشروا فيديو يوضح تفجير ثلاثة مقرات خالية تابعة لحرس الحدود. وفي الأسبوع الثالث، نشروا الفيديو الأخطر الذي يعرضون فيه مشهدين لقتل خمسة جنود خلال الشهرين الماضيين، ويوجهّون فيه رسالة وعيد لجنود الجيش والشرطة. ولم ينقض الأسبوع الأخير حتى تأكد خبر العثور على خامس جثة مذبوحة لمدنيين يرجح أنهم قد قتلوا على يد “أنصار بيت المقدس” بسبب تعاونهم الأمني.

 .

مفتي القاعدة باليمن “إبراهيم الربيش” يخاطب الجندي المصري!

في 18 أغسطس الجاري نشر أنصار بيت المقدس فيديو “أيها الجندي” الذي يحمل رسالة تهديد لجنود الجيش والشرطة باعتبارهم “جنوداً للطاغوت”، ومشبّهاً إياهم بجنود فرعون الموصوفين في الآية القرآنية “إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُــمَا كَانُوا خَاطِئِينَ”. أثار الفيديو استياء مشاهديه بسبب احتوائه على مشهد حي لتصفية أربعة جنود بملابسهم المدنية أثناء توجههم لوحدتهم العسكرية بين مدينتي “الشيخ زويد” و”رفح”، وهي الحادثة التي يؤكد سكان محليون وقوعها في يونيو الماضي. وبحسب الفيديو، فإن أحد الجنود قد توسل إلى قاتله بإخباره أنهم سيعودون إلى حيث أتوا ولن يذهبوا لوحدتهم العسكرية، لكن أعضاء “الأنصار” لم يمهلوهم وأجهزوا عليهم منبطحين على وجوههم بعدة طلقات نارية. وفي مشهد آخر وثّقوا مقتل جندي في ملابسه العسكرية في أحد شوارع العريش. وعلى الرغم من المفاجأة التي فجرها الفيديو بعرض لقطات لبوابة محافظة “الوادي الجديد” وموقع تنفيذ عملية الفرافرة، إلا أن هذه الإشارة، التي تثير التساؤل حول علاقتهم بالجماعات المسلحة في الشرق الليبي، لم تكن أهم ما جاء في الفيديو الأخير لـ “أنصار بيت المقدس”.

.

إبراهيم الربيش - مفتي القاعدة في اليمن

إبراهيم الربيش – مفتي القاعدة في اليمن

بدأ الفيديو بعرض لقطات لانتهاكات ارتكبها جنود منذ عهد المخلوع مبارك حتى ما بعد عزل محمد مرسي، كما عَرَض شهادة إحدى الحقوقيات (تم حجب وجهها كالعادة لأسباب دينية) اللاتي قمن بتوثيق شهادات ضحايا الانتهاكات الجنسية في مقرات الاحتجاز وأقسام الشرطة في وقائع لم يتم التحقيق الجنائي فيها. وبعد هذه المقدمة، استشهد “الأنصار” بمقتطفات من تسجيل صوتي قديم نسبياً لمفتي تنظيم القاعدة في اليمن، إبراهيم الربيش، كان قد وجهه لجنود النظام اليمني عام 2012 على سبيل الوعيد والإنذار تحت عنوان “يبيع دينه بعرض من الدنيا”، وهو عنوان له دلالة تكفيرية مهمة لكونه مقتبساً من نص حديث نبوي عن الفتن التي هي كقطع الليل المظلم حيث “يصبح الرجل فيها مسلماً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا”. وهو ما يعتبر تطوراً في موقف “الأنصار”، الذين أصدروا تسجيلاً في 2012 يتبرأون فيه من قتل الجنود في مذبحة رفح الأولى ومشددين على أنهم لا يستهدفون الجنود المصريين. وفي عام 2013، وحتى بعد عزل محمد مرسي، أصدر “أنصار بيت المقدس” تسجيلاً يوثقون فيه دورهم في الإفراج عن الجنود السبعة المختطفين في شهر مايو، قبل أقل من شهرين من عزل مرسي، وهو الفيديو الذي احتوى شكراً من الجنود قبيل تحريرهم موجهاً لــ”الأنصار” على حسن معاملتهم، كما وثقوا استردادهم لمتعلقاتهم قبيل الإفراج عنهم.

.

لم يسجل الربيش كلمته خصيصاً للجنود المصريين، وإن كان ألمح فيها لما وصفه بدورهم ومسؤوليتهم في المشاركة في حصار غزة والتضييق على المقاومة فيها وحماية إسرائيل، بحسب الكلمة التي وجهها بالأساس إلى جنود الجيش اليمني. وعلى الرغم من أن الحديث عن انخراط الجنود في الجيش سعياً وراء الرزق قد يبدو درباً من الكوميديا السوداء إذا قيل في السياق المصري حيث التجنيد الإجباري غير المدفوع الأجر، إلا أن أهمية استشهاد “أنصار بيت المقدس” بكلمة الربيش تتجاوز الخوض في التفاصيل. إذ أن من عادة “الأنصار” أن يستشهدوا بالتسجيلات الصوتية لمن يعتبرونهم مرجعية لهم، أو يشيرون إلى مقتبسات من أدبياتهم..

.

في الإصدارات الأولى كانوا يستشهدون بكلمات أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، ثم توقفوا عن ذلك بسبب نشوب الخلافات بين القاعدة ممثلةً في “جبهة النصرة” وبين “داعش”، تلك التي أشاد بها أبو أسامة المصري في فيديو سابق متجاهلاً جبهة النصرة والقاعدة. وفي تسجيلاتهم المتأخرة بدا أن استشهادهم بمقتبسات من كلمات أسامة بن لادن ما هو إلا محاولة للخروج من الخلاف بين “داعش” والقاعدة بالاستناد إلى مرجعيتهما المشتركة وزعيمهما الراحل. أما الآن، فإن الأكيد أن “أنصار بيت المقدس” لم يبايعوا “داعش” رسمياً ولم يعلنوا ولاءهم لها، لكن استشهادهم بأحد أهم رموز القاعدة في اليمن يعطي مؤشراً بأن موقفهم قد يكون مرتبطاً بموقف قاعدة اليمن المتذبذب تجاه “داعش”، فقد تكون بيعة الأنصار لداعش مرتهنة بتحول تنظيم قاعدة في اليمن ناحية داعش. وهو أيضاً مؤشر على تنسيق عملياتي محتمل، قد يصل لدرجة الإمداد بالسلاح والمقاتلين عن طريق البحر الأحمر.

 .

ماذا يعني الدعاء لداعش في خطبة العيد؟

قد تكون الصلة المباشرة بقاعدة اليمن هي التفسير الأوضح لتأرجح “أنصار بيت المقدس” بين منهج القاعدة العالمي وبين التطرف الشديد لــ “داعش” الذي يشمل العداء مع الشيعة واستحلال دماء المدنيين والقتل بالشبهة. فالخطوط الفاصلة بين أسلوبيْ القاعدة في باكستان وأفغانستان وبين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، الذي أصبح لاحقاً في العراق والشام “داعش”، ترتبك وتتقاطع بشدة عند قاعدة اليمن ذات المكون السعودي الكبير والمؤثر. فالاحتقان المذهبي وامتداداته الإقليمية حاضرة في الجزيرة العربية دون احتلال أجنبي يبرر الالتفات عن الصراع المذهبي. وبسبب غياب الاحتلال العسكري الأجنبي، فإن قاعدة اليمن (أو بالأحرى قاعدة الجزيرة العربية) تتجه بعدائها وعملياتها نحو الأنظمة الحاكمة التي تتهمها بالعمالة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مصر يتهم “الأنصار” النظام الحالي بتبعيته لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

.

يبدو أن ابتعاد “أنصار بيت المقدس” عن تنظيم القاعدة العالمي واقترابه من “داعش” يميل إليه جناح داخل التنظيم، قد يكون على رأسه أبو أسامة المصري، الذي اختتم خطبة عيد الفطر المنصرم بالدعاء لإخوانه في الدولة الإسلامية في العراق بأن “يفتح الله لهم بغداد وسائر البلاد وقلوب العباد”. ويبدو أيضاً أن هذا الميل لم يكتمل – حتى الآن – حيث لم يستشهد “أنصار بيت المقدس” بأي من كلمات المتحدث باسم “داعش”، أبو محمد العدناني، التي أشار فيها إلى مصر وإلى “المجاهدين” في سيناء، كما لم يعلنوا عن البيعة رسمياً لدولة “داعش”. من المرجح أن يكون هذا التردد بسبب عدم حسم موقف الأنصار مما يسمونها “الفتن” بين المجاهدين في العراق والشام، لكن احتمالاً آخر يظل باقياً، وهو أن إعلان “أنصار بيت المقدس” ولاءها لــ “داعش”، التي تكفّر محمد مرسي، قد يسبب لها خسارة جماهيرية في صفوف الإسلاميين الذين تستميلهم للانضمام إليها، فضلاً عن خشيتهم من تعزيز موقف الجيش المصري في طلب دعم عسكري أمريكي إضافي لسحق “ذيل داعش” في سيناء. وأياً كان السبب، أيديولوجياً صادقاً أم براجماتياً قائماً على دراسة الأنفع عملياً، فإن الدعاء لدولة “داعش” في خطبة العيد، التي سجلوها في الخلاء وسط حراسة مشددة لاستعراض القوة وتحدي طائرات الجيش الاستطلاعية والهجومية، يظل دليلاً على وجود رابطة بينهما ولو على سبيل التعاطف والتواصل المعلوماتي من دون اشتراط لتنسيق عملياتي أو لوجيستي.

 . 

تدهور أمني أظهره فيديو “نُصرت بالرعب” ويدفع ثمنه البسطاء      

بحسب زعم فيديو “نُصرت بالرعب”، فإن “الأنصار” قد قاموا بنسف ثلاث وحدات عسكرية خالية تابعة لسلاح حرس الحدود غربي مدينة الشيخ زويد. يدّعي الفيديو أن إخلاء الوحدات الثلاث بسبب ما أسماه الرعب والذعر في صفوف الجيش، وتظهر مشاهد التفجير، التي تم تصويرها بأربع كاميرات من أربع زوايا مختلفة، سيطرة المجموعة المنفذة بالكامل على محيط هذه المقرات الثلاثة واستغراقهم وقتاً كافياً في زرع العبوات الناسفة شديدة الانفجار ثم الاحتفال بالتفجيرات ورفع رايتهم فوق حطامها.

.

لم يصدر أي تعليق من أية جهة رسمية على الفيديو ومحتواه، وهو ما لم يستغربه أهل المنطقة الحدودية في سيناء الذين يشتكون من انفصال موقف الدولة وتصريحات مسؤوليها الإعلامية عما يتعرضون له من حصار بين مطرقة الجيش وسندان الجماعات المسلحة. وهو ما دفع أغلب سكان قرى “اللفيتات” و”الثومة” و”المقاطعة” إلى هجر منازلهم جماعياً، فبعضهم نزل ضيفاً لدى أقاربه في العريش أو خارج سيناء، والمعدمون منهم يسكنون الآن في عشش أقاموها في الأراضي الخلاء غرب العريش.

.

بين حطام المنازل والمزارع المحروقة بدعاوى أمنية، ووسط الأسواق المغلقة منذ شهور طويلة والمدارس التي لم تسلم من رصاص الاشتباكات، عثر أهالي “الشيخ زويد” والمناطق المحيطة بها على خمس جثث مذبوحة ومفصولة الرأس في أماكن متفرقة. وعلى الرغم من التشابه بين ذبح هؤلاء المدنيين الخمسة وبين ما تنشره “داعش” على موقع يوتيوب من مشاهد ذبح ضحاياها، إلا أن ذلك لا يعد دليلاً قاطعاً على الارتباط بين “الأنصار” و”داعش”. حتى الآن، لم يتبنَ الأنصار ذبح المجهولين الخمسة، لكنهم قد أصدروا في سبتمبر 2012 فيديو بعنوان “جنود الرحمن وجنود الشيطان” وثقوا فيه اعتراف “منيزل سلامة” بتعاونه مع الموساد الإسرائيلي في الإيقاع بإبراهيم عويضة بريكات، أحد كوادر “الأنصار” المشاركين في عملية أم الرشراش (إيلات الكبرى) في أغسطس 2012، وقد قتلوا الجاسوس منيزل وفصلوا رأسه عن جسده وألقوها في الطريق إلى قرية “البرث”. لذلك، فإن ما يتداوله بعض المحليين في الشيخ زويد عن تورط المذبوحين بإبلاغ الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية عن تحركات “الأنصار” على الشريط الحدودي لاستهداف الأراضي الفلسطينية المحتلة قد يكون فيه شيء من الصحة.

.

Posted by: Ismail Alexandrani | أغسطس 15, 2014

تقدم نوعي جديد لـ “أنصار بيت المقدس”

مقالي المنشور في موقع المدن بعنوان “أنصار بيت المقدس في سيناء .. أشد جرأة وخطراً” يوم الثلاثاء الموافق 12 أغسطس 2014 على الرابط:

http://www.almodon.com/arabworld/1d9573dc-202a-46fb-a871-62d2565dda64

نشرت جماعة “أنصار بيت المقدس” تسجيلاً مرئياً جديداً بعنوان “نُصرت بالرعب”، يوضح استيلاءها على ثلاثة مبانٍ تابعة لقوات حرس الحدود المصرية غرب مدينة الشيخ زويد، ثم نسفها تماماً ورفع رايتها السوداء فوق أطلالها. بحسب الفيديو، فإن هذه العملية قد تمت يوم السابع من شوال، أي الإثنين الموافق 4 أغسطس الجاري، وهو ما يعني تنفيذ العملية بعد أقل من أسبوع من إقامة صلاة العيد في الخلاء مدججين بالسلاح المتوسط والثقيل. في الفيديو السابق، استعرض “الأنصار” تحدّيهم لطائرات الجيش الاستطلاعية بتسجيل خطبة متحدثهم “أبو أسامة المصري” في جمع من أفرادهم الملثمين صبيحة العيد، في تلك الخطبة التي اختتمها بالدعاء “للدولة الإسلامية” بأن يفتح الله لها “بغداد وسائر البلاد وقلوب العباد”.

لقطة من التسجيل المرئي الأخير المنسوب لأنصار بيت المقدس

لقطة من التسجيل المرئي الأخير المنسوب لأنصار بيت المقدس

.

مرّت سنة كاملة من الحرب بين الجيش والشرطة في سيناء وبين جماعة أنصار بيت المقدس، تنوعت فيها الأسلحة والتكتيكات، وكان للحرب النفسية فيها نصيب كبير. اعتمد الجيش على متحدثه العسكري السابق واللاحق، وعلى الصفحة الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، حيث ينشر بشكل دوري بيانات وتصريحات عن إنجازاته المزعومة. في الناحية المقابلة، ينشر “أنصار بيت المقدس” أغلب دعاواهم العملياتية موثقة بالفيديو، ويتجنبون الحديث عن الاشتباكات غير الموثقة، رغم شهادات الأهالي بوقوع خسائر كبيرة في صفوف الجيش في تلك الاشتباكات.

.

بتتبع الأعداد المعلنة في بيانات الجيش، فإن عدد من سقطوا من أعضاء الجماعات المسلحة على مدار سنة كاملة، سواء كقتلى أم معتقلين، يفوق قدرة المنطقة الحدودية من شمال سيناء على استيعاب هذا الحجم من المسلحين المنبوذين اجتماعياً، الذين لا يتحركون في الشوارع غير ملثمين. وإن كان من المفهوم أن يسقط قتلى كثيرون منهم من دون أن يفتقدهم ذووهم بسبب كونهم وافدين إلى سيناء، من وادي النيل أو من خارج مصر، إلا أن استمرار الاشتباكات الضارية لمدة سنة كاملة لا يعنى سوى أن بيانات الجيش غير صحيحة أو أن إمداداتهم البشرية لا تتوقف. وفي ضوء التشديدات الأمنية المبالغ في تطبيقها في المنطقة الحدودية من شمال سيناء، فإنه لا يُتصور أن تكون الإمدادات البشرية بمثل هذا التدفق.

.

بدأت العمليات العسكرية الموسعة في شمال سيناء رسمياً يوم السبت الموافق 7 أيلول / سبتمبر من العام الماضي، مع وعد من قائد الجيش الثاني الميداني في حينها، اللواء أحمد وصفي، بتسليم سيناء “متوضئة” وخالية من الإرهاب في غضون أسبوع. مر شهر بالتمام، فتم استهداف مديرية أمن جنوب سيناء يوم 7 تشرين أول / أكتوبر، وفي الشهر التالي تم استهداف مقر المخابرات العسكرية في مدينة الإسماعيلية على الضفة الغربية لقناة السويس، وفي الشهر الذي يليه استهدف “الأنصار” مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة في قلب الدلتا. أما كانون ثان / يناير في مطلع العام الجاري فقد شهد ثلاث عمليات نوعية للأنصار في كل من سيناء ووادي النيل. في أقل من أسبوع، نجح “الأنصار” في استهداف مديرية أمن العاصمة بتفجير هائل سمعت أصداؤه في محيط عدة كيلومترات بعد يوم واحد من تهديد وزير الداخلية لمن ينوي الاقتراب من أقسام الشرطة في ذكرى الثورة. في الأسبوع ذاته، أسقطوا طائرة عسكرية في شمال سيناء فقتلوا طاقمها المكون من خمسة أفراد، مسجّلين بذلك سابقة تاريخية في إسقاط مروحية عسكرية مصرية على يد ميليشيا وليس جيشاً نظامياً، وذلك بالتزامن مع استهداف “إيلات” بصواريخ جراد لتحدي الأهداف الأمنية الإقليمية لتلك الحرب الممتدة من أربعة شهور سابقة.

.

توالت الإخفاقات العسكرية والأمنية حتى تم عزل قائد الجيش الثاني الميداني وتعيين قائد الأركان خليفة له. عوضاً عن استبدال التكتيكات الفاشلة بنمط عملياتي أكثر احترافية ونجاحاً، لجأ اللواء محمد فرج الشحات، القائد الجديد للجيش الثاني، إلى استبدال الاشتباكات البرية بالقصف المدفعي غير عابيء بأرواح المدنيين. وفي رمضان المنصرم، وقع ما كان يخشاه الأهالي، فسقطت قذيفة على منزل مأهول ناحية الكيلو 17 فقتلت وأصابت عشرة من عائلة واحدة بينهم خمسة أطفال وثلاث سيدات. وفي عيد الفطر، تطايرت شظية فذبحت طفلة في قرية المقاطعة وأصابت أختها، وفي اليوم الثاني قتلت طفلة أخرى وأصيبت شقيقتها في قرية المهدية برصاص الجيش العشوائي، وفي اليوم الثالث قتلت امرأة عجوز في إحدى الحملات الأمنية.

.

سنة من الدماء والدمار وقطع الأرزاق وتعطيل الطرق ومنع الإسعاف ونسف المنازل وحرق المزارع، دفعت أعداداً كبيرة من السكان إلى الهجرة حتى تحولت قرى كاملة، مثل “اللفيتات” و”الثومة” إلى قرى أشباح. ومع خلخلة النسيج السكاني للمنطقة الحدودية والتفوق النوعي في الاشبتاكات البرية لأنصار بيت المقدس مقابل قوات الجيش، فإن خطراً متزايداً ببسط نفوذ “الأنصار” على مساحات واسعة من المنطقة الحدودية ربما يقود لتدهور أكبر في الأسابيع والشهور المقبلة.

Older Posts »

تصنيفات

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 8٬175 متابعون آخرين

%d مدونون معجبون بهذه: